الثلاثاء، 20 ديسمبر 2016

إسهامات الفائزين بجائزة نوبل في الاقتصاد

صحيح أن ألفريد نوبل لم يضمن علم الاقتصاد ضمن مجالات الجائزة التي تحمل اسمه، عندما كتب وصيته عام ١٨٩٥، والتي تمنح لمن قدموا اسهامات جليلة للإنسانية في مجالاتهم.. فقد كانت الجائزة متقصرة في بدايتها على علوم الكيمياء والآداب والسلام والفيزياء والطب.

لم يأت دور تكريم علماء الاقتصاد بجائزة  تحمل اسم نوبل إلا لاحقا، تحديدا عام  ١٩٦٨، بمسمى جائزة بنك السويد الوطني في علم الاقتصاد تخليدا لذكرى نوبل، وليس (جائزة نوبل في الاقتصاد). إلا أن الفائزين بها لا يحفلون كثيرا لطول مسمى الجائزة، فهي بالنسبة لهم تظل أرفع الأوسمة في مجالهم. 

المهم.. مؤخرا، صار التشكيك في انجازات الاقتصاديين (موضة)، وصار الكل يلمزهم ويقلل من علمهم، خصوصا بعد الأزمة الاقتصادية عام ٢٠٠٨، وما صاحبها من تداعيات على مستوى العالم.. لكن هذا التشكيك واللمز يأتي غالبا من متابعين سطحيين، لا يملكون إلماما بما يقوم به الاقتصادييون أصلا في عملهم اليومي.. 

من يعتقد أن مهمة الاقتصادي هي توقع أسعار الأسهم أو توقع تاريخ الأزمات الاقتصادية بدقة فسيصاب حتما بخيبة أمل.. في الواقع، قلة قليلة من الاقتصاديين يشغلون أنفسهم أصلا بمحاولة توقع حركة الأسعار أو الدورات الاقتصادية.. بينما جلهم يدركون أن الاقتصاد علم اجتماع في المقام الأول، هدفه دراسة وفهم الظواهر الاقتصادية من منظور اجتماعي، مبني على خيارات الفرد والجماعة وآليات السوق، وليس محاولة توقع الأحداث والتنجيم. 

سألني أحد الإخوة عن ما الذي أنجزه بعض ما حاز على جوائز نوبل ليستحق هذا التكريم.. الجواب طويل، لكني أحيله، وكل من له اهتمام بالموضوع إلى هذا الكتاب الذي اشتريته من مكتبة جامعة هارفارد قبل عدة سنوات.. 

الكتاب يستعرض أبرز الأفكار التي قدمها الفائزون بالجائزة خلال الأربعين عاما الماضية، والظروف المحيطة بتطور هذه الأفكار، سواء كانت ظروفا اجتماعية أو سياسية أو تقنية.. ويناقش كيف قابل المجتمع (والمختصون) هذه الأفكار حين ظهورها، والقصص التي أحاطت بشخوص هؤلاء العلماء وما قدموه للبشرية في مجالهم. 


الأربعاء، 28 سبتمبر 2016

اقتصاديون منسيون ومحاولات طمس التاريخ

هذا المقال نشر في جريدة الوطن السعودية بتاريخ ٢٧-٩-٢٠١٦

الإمكان أن نعد أكثر من 30 عالما مسلما ممن جاؤوا قبل ابن خلدون، وتكلموا بعمق واستيعاب عن الظواهر الاقتصادية في زمانهم، كحركة الأسواق والإنتاج وطبيعة النقود وسياسة الإنفاق والضرائب


جوزيف شومبيتر، الذي يعد من أبرز اقتصاديي القرن العشرين، ألّف كتابا موسوعيا عام 1954 في أكثر من 1200 صفحة، بعنوان (تاريخ التحليل الاقتصادي)، تناول خلاله تاريخ الفكر الاقتصادي منذ أيام الإغريق والرومان (كأفلاطون وأرسطو) وحتى منتصف القرن العشرين. هذا الكتاب الضخم الذي يعتبر مرجعا لا غنى عنه عند الباحث المعاصر، يوحي إليك حجمه بأنه لم يترك شاردة أو واردة من إسهامات العلماء عبر التاريخ في علم الاقتصاد إلا ذكر شيئا منها أو نوه إليها، ولكن المفاجأة هي أنه عندما انتهى من ذكر إضافات عصر الرومان حول مفهوم الأسعار والقيمة، استهل الفصل الثاني بعنوان: (الفجوة العظيمة)، ثم قفز مباشرة إلى مفكري القرن الثالث عشر الميلادي في أوروبا! 
يدّعي شومبيتر بأن علم الاقتصاد شهد (فجوة) فكرية وخمولا شديدا على مدى 500 عام منذ نهاية عصر الرومان، وحتى بداية عصور التنوير في أوروبا في القرن الثالث عشر الميلادي، وأنه لا يوجد خلال هذه الفجوة التاريخية ما يستحق الذكر في المجال الاقتصادي، وبالتالي فإن القفز عليها وتجاوزها له ما يبرره.. هكذا وبكل وبساطة، يُنحّي شومبيتر فترة توهج الحضارة الإسلامية، ويتجاهل إسهامات علمائها الاقتصادية بشكل صارخ، وهو أمر يتكرر كثيرا عند مؤرخي الغرب الذين يعتبرون أوروبا مركز العالم. ويعممون تجربة عصور الظلام الأوروبية وكأنها شملت الكوكب كله، رغم أن عدد سكان أوروبا في عصور الظلام لم يتجاوز 10% من سكان العالم! 
هذه الفوقية الأوروبية في التعامل مع الحضارات الشرقية وحضارة الإسلام ليست جديدة، حتى إن بعض المنصفين من مفكري الغرب المتأخرين مثل المؤرخ هاري لاندرث أدرك هذا الخلل، وبدأ يطالب بإعادة النظر في دور العرب والمسلمين في مسيرة الفكر الاقتصادية، وتصحيح خطأ شومبيتر، لكن محاولات التصحيح والمراجعة هذه تبدو خجولة، ولا تتجاوز بعض الإشادة على استحياء بابن خلدون ونظريته في علوم الاجتماع وجوانبها الاقتصادية في نمو العمران وغيرها. هذه الاستدراك الغربي المتأخر أوهم بعض مثقفي العرب بأن ابن خلدون -رغم نبوغه- كان أول علماء المسلمين سبقا إلى الفكر الاقتصادي. 
في الواقع، بالإمكان أن نعدّ أكثر من 30 عالما مسلما ممن جاؤوا قبل ابن خلدون، وتكلموا بعمق واستيعاب عن الظواهر الاقتصادية في زمانهم، كحركة الأسواق والإنتاج وطبيعة النقود وسياسة الإنفاق والضرائب وعلاقتها بنواميس المجتمع، وأظهروا رقيا منطقيا في تحليل الأسباب والنتائج، بل إن كثيرا مما نقرؤه اليوم في كتب الاقتصاد، يفوح بعبق علماء الجيل الذهبي عند المسلمين، كما سيظهر لك في هذه الاستعراض السريع. 
من أوائل من تكلموا عن أثر ما يسميه المختصون اليوم بالصدمات في مستوى العرض (random shocks) كان عبدالله بن المقفع في كتاب (رسالة الصحابة)، فذكر أن الآفات التي تصيب المحاصيل الزراعية من شأنها أن تؤثر في سعر السوق، ومن ثم يَضعُف دخل المزارعين، وتتأثر ضرائب الدولة سلبا. أما القاضي أبو يوسف، الإمام العلامة الذي تولى القضاء في عهد هارون الرشيد، فألف (كتاب الخراج)، ووصل إلى الرأي الذي يُجمع عليه اقتصاديو اليوم بأن الضرائب شر لابد منه، لأنها تعتبر (عقوبة) على الإنتاج، ومن ثم وَجَب قَصرُها على تمويل مشاريع الدولة ذات المنفعة العامة. كما رأى أبو يوسف أن تكون ضريبة الأرض الزراعية نسبة من قيمة الغلة السنوية، لا أن تكون مبلغا ثابتا كل عام. وطالب بضرورة تقييم المحصول في السوق الحرة، كما يعرف اليوم بـ(mark to markets)، لأن ذلك ادعى إلى الشفافية، وأبعد عن تلاعب عمال الضرائب. هذا التحليل العميق لم يتوصل إلى مدلوله اقتصاديو الغرب إلا مؤخرا. 
أما ابن قدامة المقدسي، الفقيه الحنبلي الجليل، فقد كان يعارض مبدأ تحديد الأسعار من قبل الدولة أو السلطة، ولم يكتف لبيان رأيه بما رُوي في كتب الحديث بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفض أن يُسعّر للناس لما طلبوا ذلك، بل زاد على النص بأن أورد تحليلا اقتصاديا رفيعا عن ضرر التحديد المركزي للأسعار، وأن من شأنه أن يؤدي إلى نتائج عكسية، كاضطراب حركة التجارة، ونقص البضائع المستوردة في السوق، وحصول الشح في السلع، وتدهور رفاهية المواطنين إجمالا. فكم من المعاناة كان سيتجنبها أصحاب المبادئ الاشتراكية والتخطيط المركزي في الاقتصاد لو هم قرؤوا واستوعبوا تحليل ابن قدامة! 
وفي كتاب (الحسبة في الإسلام) يجيب شيخ الإسلام ابن تيمية إجابة العالم المُدرك لما يدور حوله من ظواهر، على سائل يشتكي من ارتفاع الأسعار - والتي كان يغلب عليها الثبات في ذلك العهد - ويبين أن ذلك ليس بالضرورة راجعا لظلم التجار أو تلاعبهم، بل قد يعود لتغير ظروف العرض والطلب (شح السلعة مع زيادة الطلب عليها)، ومدى شدة استجابة الطلب لارتفاع الأسعار. وهذه الإجابة هي تماما ما يُعرف اليوم بتحرك منحنيات العرض والطلب، ومفهوم مرونة الطلب (elasticity of demand)، كما نفهمها في مصطلحات الاقتصاد الحديثة. 
هؤلاء الأفذاذ، وغيرهم الكثير ممن لم ننل شرف ذكرهم، يظن أكثر الناس أن إنتاجهم الفكري كان مقتصرا على علوم الشريعة بالمعنى الضيق، بيد أنهم امتلكوا فكرا ثاقبا وشاملا لحركة الإنسان في الحياة، فتناولوا ظواهر اجتماعية اقتصادية صرفة، بكل منطقية وانسجام مع المنهج الرباني ودون تشنج.
ما ذكرته بإيجاز لشيء من الآراء الاقتصادية الأصيلة عند كوكبة من مفكري عصر النهضة الإسلامي هو تفنيد لنظرية (الفجوة) التي ابتدعها شومبيتر وغيره، وإحياء للاعتزاز في نفوس المهتمين بالاقتصاد، أو المقبلين على دراسته، وليعلموا أننا لسنا متطفلين على هذا العلم القيّم، بل كانت لأسلافنا إسهامات جذرية فيه، شكلت لبنات مهمة في بناء هذا العلم الذي انتهى إلى ما نراه اليوم، وهو بلا شك في اشتياق لاستئناف مساهمات المسلمين فيه.

بين الغزالي وآدم سميث: هل وقع الحافر على الحافر


هذا المقال نشر في جريدة الوطن السعودية بتاريخ ١٥-٩-٢٠١٦

الفرد لا يملك، مهما كثرت علومه ومهاراته، القيام بكل الأعمال اللازمة لصناعة شيء من الألف إلى الياء، ولو كان ببساطة معطف صوف


فكٍّر عزيزي القارئ في أبسط منتج يخطر على بالك، سواء كان قلما أو كوبا بلاستيكيا أو معطفا من الصوف.. ما هي المهارات اللازمة لصناعة هذا المنتج؟ قد تتسرع فتقول: الأمر سهل، فكل ما يلزم لمعطف الصوف مثلا هو قماش صوف ملون ومقص وبعض الخيوط والإبر، وتنتهي المسألة.. فكّر مرة أخرى يا صديقي، وتأمل هذه المرة فيما بين يديك، واستحضر سلسلة الإنتاج الطويلة والمعقدة، بدءا من المواد الأولية، مرورا بعملية النقل لكل منها، فالمنتجات الوسيطة، انتهاء بالحِرف النهائية الداخلة في استكمال المعطف، فستدرك أن معجزة اقتصادية يسرها الله لك لتنعم بأبسط المنتجات، وأن الفرد لا يملك، مهما كثرت علومه ومهاراته، القيام بكل الأعمال اللازمة لصناعة شيء من الألف إلى الياء ولو كان ببساطة معطف صوف.
كانت هذه الملاحظة الدقيقة والنافذة في عمقها مما أورده آدم سميث في كتابه (ثروة الأمم). آدم سميث هذا، هو الفيلسوف الأسكتلندي الذي عاش في القرن الثامن عشر، والذي يُجمعُ مؤرخو علم الاقتصاد في الغرب على أنه أبوالاقتصاد الحديث. حيث تكلم عن الظواهر الاقتصادية حوله من طبيعة الأسواق الحرة وعمليات الإنتاج بأسلوب منطقي مترابط، وبيّن كيف أن آليات السوق، والتنظيم الحصيف لعمليات التصنيع وتوزيع الأدوار له أبرز الأثر في زيادة دخل الدول ومضاعفة الإنتاج ورفع المستوى المادي للشعوب.
ومن أبرز الأمثلة التي تكلم عنها سميث في كتابه (ثروة الأمم)، والذي ما زال اقتصاديو الغرب يشيرون إليه في معرض الثناء والمديح، ويستشهدون به على سبقِ سميث عصرَه، هو مثال صناعة معطف الصوف. يقول سميث (ترجمتي بتصرف): "معطف الصوف مثلا، مهما كان خشنا غليظا، فهو في الحقيقة ثمرة تعاون ما لا يحصى من الأيدي العاملة. بدءا من راعي الغنم، فجزاز الصوف وجامعه، فماشط الصوف، إلى الصابغ، فالناقش والمطرز، إلى الغازل، فعامل التنشِية، مرورا بالناسج إلى الحائك ومفصّل القماش، ومعهم الكثير من البشر الذين يلزم اشتراكهم وتعاضدهم في كل واحدة من هذه الخطوات السابقة. ثم اسأل نفسك، كم من التجار والحمالين كذلك كانت لهم يد في تيسير عملية نقل وإيصال كل من هؤلاء الحرفيين بعضهم ببعض، رغم ما قد يفصل بينهم من مسافات شاسعة وبحار واسعة؟ ما حجم التجارة التي تمت، والملاحة والبواخر التي سارت، ومسيرات القوافل الطويلة؟ كم من صُناعِ السفن والبحّارة وصانعي الأشرعة والحبال؟ ما هي الحرف والصناعات التي لزم حصولها واجتماعها لتوفير أدوات كالمغزلة وآلة الحياكة والتطريز وآلة جز الصوف؟ ناهيك عن الآلات الأكثر تعقيدا؟ دعونا نتفكر لبرهة في أنواع الأعمال التي اجتمعت لجعل شيء كهذا ممكنا..". 
في هذا المثال المثير، يشير آدم سميث إلى أمرين مهمين، أولا أن تبادل السلع والخدمات، والتخصص في المهارات، وانشغال كل إنسان بما يُحسن هو سر العمران الحضاري وارتقاء جودة المصنوعات، فلا يستطيع إنسان أن ينعزل بمفرده وينتج حاجياته كلها مهما كانت بسيطة، وثانيا أن السوق الحر وانتقال البضائع بين الناس وبين البلدان، وسعي كل إنسان لتحقيق منفعته هو السر في تنظيم هذه (الأوركسترا) الإنتاجية.. إذ يستحيل أن يقوم إنسان بتنظيم سلسلة الإنتاج هذه بمفرده، بل ليس أفضل من آلية السوق الحرة لتربط هذه الحرف والصنائع ببعضها. وهذا ما يشير إليه الاقتصاديون اليوم بـ(اليد الخفية) للسوق. 
ثم أورد سميث مثالا آخر في نفس الكتاب عن مصنع الإبرة، وكيف أنه يَدخل في صناعتها 18 عملا مختلفا، وقال إن تخصص كل عامل بواحد منها يؤدي إلى مضاعفة الإنتاج. وكان هذا المثال أساسا لمفهوم (العملية الصناعية) الحديث، والذي يقوم عليه تصميم المصانع الأوتوماتيكية اليوم. 
هذه الملاحظات بلا شك تعكس رؤية اقتصادية ناضجة عند آدم سميث، ولكن هل انفرد وحده بالسَّبق في ملاحظة هذه الظواهر؟ 
أترككم مع هذا النص للإمام أبي حامد الغزالي، والذي ورد في كتابه الشهير (إحياء علوم الدين): 
"لننظر إلى ما يحتاج إليه الرغيف الواحد حتى يستدير ويصلح للأكل من بعد إلقاء البذر في الأرض، فأول ما يحتاج إليه الحارث ليزرع ويصلح الأرض، ثم الثور الذي يثير الأرض والفدان وجميع أسبابه، ثم بعد ذلك التعهد بسقي الماء مدة، ثم تنقية الأرض من الحشيش، ثم الحصاد، ثم الفرك والتنقية، ثم الطحن، ثم العجين، ثم الخبز، فتأمل عدد هذه الأفعال التي ذكرناها وما لم نذكره، وعدد الأشخاص القائمين بها، وعدد الآلات التي يحتاج إليها من الحديد والخشب والحجر وغيره، وانظر إلى أعمال الصناع في إصلاح آلات الحراثة والطحن والخبز من نجار، وحداد وغيرهما! وانظر إلى حاجة الحداد إلى الحديد والرصاص والنحاس… -إلى أن قال- فإن فتشت علمت أن رغيفا واحدا لا يستدير بحيث يصلح لأكلك يا مسكين ما لم يعمل عليه أكثر من ألف صانع".
وبعد هذا المثال المذهل، يقول الغزالي: "حتى إن الإبرة التي هي آلة صغيرة فائدتها خياطة اللباس الذي يمنع البرد عنك لا تكمل صورتها من حديدة تصلح للإبرة إلا بعد أن تمر على الإبري خمسا وعشرين مرة، ويتعاطى في كل مرة منها عملا".
فإذا علمنا أن الغزالي عاش قبل آدم سميث بحوالي 600 سنة، حُقّ لنا أن نتساءل عن مدى (توارد الخواطر) العجيب بينهما، وكيف اتفقا على أمثلة متشابهة، بل متطابقة كما في مثال صناعة الإبرة! ولا يسعنا سوى أن نقول رحم الله العالم الموسوعي الجليل أبا حامد الغزالي، وقليلا من الإنصاف يا مفكري الشرق والغرب.

نحو فهم شامل لعلم الاقتصاد

هذا المقال نشر في جريدة الوطن السعودية بتاريخ ٦-٩-٢٠١٦


أزعم أننا بحاجة إلى فهم أعمق لعلم الاقتصاد، كعلم يسعى إلى تفسير معظم ظواهر حياة الأفراد والجماعات، سواء في مناحيها المتعلقة بالكسب والمال، أو جوانبها الاجتماعية والسياسية، بل وحتى الدينية. 
وأزعم أيضا أن ما يقدم لنا ككتابات أو تعليقات وآراء اقتصادية، لا يحمل سوى لمحات طفيفة من هذا العلم العميق، ولا ينفذ -في الغالب الأعم- إلى لبه وحقيقته. 
فبينما يعتقد كثيرون أن الاقتصاد يقتصر على مجال المال وسوق الأسهم وأمور مشابهة كأرقام البطالة والتضخم وسعر صرف العملة، نجد أن علماء الاقتصاد ومؤلفيه حول العالم استطالت أيديهم، فدخلوا في مواضيع كان يراها البعض حكرا على علوم السياسة أو علوم السوسيولوجيا، فكتبوا في خيارات الفرد المتعلقة بحياته الاجتماعية والفردية، بل وحتى في تنظيم الأسرة واختيار زوج المستقبل، إضافة طبعا إلى المواضيع التقليدية المذكورة أعلاه. ولا أدَلّ على انتشار هذا المذهب الاقتصادي الشامل اليوم من الشعبية الواسعة لكتب مثل "فريكونوميكس" لمؤلفه الاقتصادي في جامعة شيكاغو ستيفين لوفيت، ومِثلُهُ كثير من الكتب التي تُطبّق آليات النظريات الاقتصادية على الظواهر والسلوكيات اليومية للأفراد، مُحاوِلةً شرح الدوافع العقلانية خلفها. 
مواضيع هذه الكتب ربما تبدو غريبة ومثيرة في البداية، كتفسير حالات الغش في المباريات الرياضية والمدارس، أو إظهار الجانب العقلاني عند من يلتحقون بالعصابات المنظمة في شوارع أميركا وخياراتهم الاجتماعية، أو تفنيد بعض الاعتقادات الخاطئة حول تربية الأطفال أو تعليمهم.. إلخ 
الاقتصاد في الأصل علم من علوم الاجتماع، يسعى إلى دراسة سلوك البشر أمام خيارات الحياة وقيودها، وتفسيرها تفسيرا منطقيا عقلانيا. 
هذا الفهم الشامل ليس جديدا، فآدم سميث، الذي يعدّه الغرب مؤسِس علم الاقتصاد الحديث، لم يكن يُفرّق في كتاباته الاقتصادية بين الجوانب التجارية البحتة والجوانب الاجتماعية والسياسية. وقَبله وضع ابن خلدون أساسا نظريا فسّر خلاله صعود الأمم وثراء الشعوب في إطار اقتصادي وسلوكي مترابط، ونَفذَ إلى أعماق القرار البشري بكل دوافعه وأهدافه مجردا من المثاليات. 
وكان لعلماء المسلمين، سواء من سبق ابن خلدون كالغزالي أو أتى بعده كابن القيم، إسهامات في مواضيع اقتصادية ربطت رغبة الإنسان في تعظيم منفعته سواء دنيوية أو أخروية، ضمن منظور متكامل يتناول حياته الخاصة والعامة. 
هذه الإسهامات الاقتصادية تجاهلها الغرب عندما كتب في تاريخ الفكر الاقتصادي، وغفل عنها المسلمون مع الأسف.
الشاهد من هذا، هو أن الاقتصاد عبارة عن منهج تحليلي متكامل، يقوم على افتراض أن الإنسان يحرص على تعظيم منفعته، بكل تعريفاتها سواء منفعة مادية أو اجتماعية أو دينية، كل هذا ضمن ذوق الفرد ورغباته التي تختلف بحسب حاله وظروفه والمعلومات المتوافرة لديه، بينما تَحُولُ بينه وبين رغباته المطلقة قيود مادية أو معنوية، كعدم توافر ما يطلبه أو ارتفاع ثمنه، وعلى أساس اختلاف هذه القيود والظروف يختلف سلوكه وخياره، دون أن يخرج عن حيز العقلانية والمنطق. 
فتحديد كمية إنتاج مصنع ذي تكاليف معينة هي مسألة اقتصادية، كذلك قرار بناء طريق عام، أو فرض رسوم على خدمة معينة، أو تحديد طبيعة المنافسة، أو الاحتكار في سوق سلعة ما، كل هذا مما اتُفقَ على خضوعه لمجال التحليل الاقتصادي. 
لكن، هل تعلم مثلا أن قرار اختيار زوجة المستقبل والحرص على كونها من ديانتك نفسها يمكن أن ُيفهم ضمن الإطار التحليلي لنظريات الاقتصاد بهدف رفع كفاءة "الإنتاج المنزلي"؟، وأن اختيار الشخص تخصصه الجامعي أو الوظيفة التي يرغب التقديم عليها، يمكن أيضا أن يخضع للأدوات التحليلية نفسها فيما يعرف بنظرية الألعاب الإستراتيجية؟ بل إن مشكلة التوفيق بين متبرعي الأعضاء البشرية "كالكلى مثلا" وبين المستحقين بحسب حالتهم لها حلٌ رياضيٌ كُتب بلغة الاقتصاد، وألّفَ فيه أحد كبار الاقتصاديين الحائزين على جائزة نوبل في هذا المجال. وهذا غيض من فيض. 
ما أريد أن أختم به، هو أن علم الاقتصاد يسعى أولا إلى تفسير الظواهر الاجتماعية المختلفة، خلال عرضها على إطار منطقي ذي مرتكزات ثابتة، تمثل الرياضيات الحديثة لغتَه اليوم، وأن أي طرح لمواضيع تبدو في ظاهرها اقتصادية دون النفاذ إلى الأسباب السلوكية أو التنظيمية أو الاجتماعية الكامنة وراءها، يظل طرحا ناقصا في ضوء هذا المفهوم الشامل.

ياسر فقيه 2016-09-06 2:06 AM

الأحد، 28 أغسطس 2016

مسار أسعار النفط: هل أخطأ هوتيلنج


هذا المقال نشر في جريدة الوطن السعودي بتاريخ 2016-08-26


يقرر هوتيلنج أن سعر السلعة الناضبة لا بد أن يستمر في الارتفاع مع الوقت كلما استهلكنا كمية أكبر منها، ولتعويض المنتج عن حقيقة أن البرميل الذي ينتجه اليوم لن يكون متوفرا في المستقبل

الحديث عن أسعار النفط متشعب ويهيمن على دوائر الاقتصاديين وصناع القرار حول العالم. فأسواق النفط العالمية لا تتوقف لحظة، وأسعارها تعتمد على العرض والطلب المباشر وخطوط الإمداد ومستويات المخزون والعوامل السياسية، إلخ.. مما يعقد الصورة على أي مراقب لسوق هذه السلعة النفيسة. لكن لا بأس من الحديث عن تأصيل لمسار الأسعار بصفة عامة، مع الإشارة إلى أن هذا التأصيل عام ولا يتعلق بدولة أو منطقة بعينها.
أبرز ما يميز النفط كسلعة اقتصادية هو كونه موردا ناضبا، لذا فقد انفرد به فرع مستقل في الاقتصاد، يُعنى بالموارد الناضبة، وله نظرياته المستقلة ومختصوه. هذه الحقيقة قد تبدو بديهية، لكن يغفل عنها كثير من المحللين والكتاب، مما يوقعهم في استنتاجات خاطئة.

في ثلاثينات القرن الماضي، وضع الاقتصادي هارولد هوتيلنج قاعدة للاستغلال الأمثل للموارد الناضبة عبر الزمن، نتيجتها أن سعر السلعة الناضبة، كالنفط مثلا، لا بد أن يستمر في الارتفاع مع الوقت كلما استهلكنا كمية أكبر منه، وذلك لأن تكلفة استنزاف مورد ناضب، مهما كانت كميته، لا بد أن ترتفع كلما قلت الكمية في الأرض، حيث سيضطر المستخرج إلى التعمق أكثر، وأن يشد الرحال إلى أماكن نائية أو إلى أعماق المحيطات للحصول على ما تبقى من المورد. لكن هناك سبب آخر لهذا الارتفاع، يتجاوز حسابات التكلفة المباشرة، حيث تنص النظرية على أن السعر لا بد أن يستمر في الارتفاع أيضا لتعويض المنتج عن حقيقة أن البرميل الذي ينتجه اليوم، لن يكون متوفرا في المستقبل، حتى وإن كانت حاجة الأجيال القادمة له أشد، وهذا ما يعرف بقيمة الفرصة البديلة للمجتمع، وهو مفهوم يحوم حول تفاصيله الكثير من الخلاف، فهل يُكتفى مثلا بسعر الفائدة الدارجة لحساب الفرصة البديلة؟ وكيف نقيم مدى خسارة الأجيال القادمة إن استنزفنا كل المورد اليوم؟ وهل سيكون عالمهم كعالمنا حتى يكون القياس صحيحا؟ المهم أن النظرية تنص على أن سعر المورد الناضب يجب أن يستمر في الصعود حثيثا مع الوقت، وأن السعر الأمثل لا يكفي أن يغطي تكاليف الإنتاج المباشرة، كما هو الحال في السلع غير الناضبة، بل لا بد أن يكون للنضوب وحق الأجيال نصيب في السعر.

هذا ما تقوله النظرية على الورق، فهل لها تصديق على أرض الواقع؟ إذا نظرنا إلى النفط كمثال لسلعة ناضبة، فإن أسعاره عبر التاريخ لا يبدو بأنها تتبع مسارا تصاعديا (بشكل أسّي) دائما، بل هي أقرب إلى سلسلة من قمم جبال وقيعان أودية، بين صعود وهبوط دون مسار سائد. فهل نستنتج من هذا أن قاعدة هوتيلنج خاطئة؟

في الواقع، هذا الحكم على هوتيلنج وقاعدته متسرع بعض الشيء، فالقاعدة تتكلم عن الأصل في كل السلع الناضبة، وما ينبغي أن تكون عليه الأمور إذا افترضنا ثبات العوامل الأخرى، وهذا افتراض جريء. أما عن مسار الأسعار كما نراه في الحقيقة على المدى المتوسط فإنه خاضع لتنازع مجموعتين متضادتين من القوى، الأولى هي القوى التي ترفع الأسعار، من زيادة تكلفة الإنتاج مع استنزاف مكامن النفط السهلة، والتوجه إلى مواقع أكثر صعوبة كأعماق البحار، أو القوى التي ترفع الطلب العالمي نتيجة لزيادة عدد السكان مثلا، أو انتقال الأمم من طور الزراعة إلى طور التصنيع. أما مجموعة القوى المعاكسة التي تجر الأسعار إلى الأسفل فتتلخص في الاكتشافات الجديدة وزيادة الكميات الممكن استخراجها، أو التقدم التقني في مجال إنتاج النفط إجمالا، مثل تقنيات الحفر الأفقية، خافضة بذلك تكاليف الاستخراج، أو التطور التقني الذي يقلل الاعتماد المباشر على السلعة الناضبة، كانتشار السيارات الأكثر كفاءة وأقل استهلاكا للوقود، أو تغير أنماط الاقتصاد والطلب على المورد الناضب وتوفر البدائل.
المسار السعري النظري للنفط متأرجحا بين تكلفة النضوب مقابل تطور التقنية والاكتشافات الجديدة


تفاعل هاتين المجموعتين من القوى له الأثر الأبرز في مسار الأسعار على المدى المتوسط. أما عن تعويض المنتجين عن حق الأجيال القادمة، فلا يبدو أن له أثرا كبيرا في أسعار اليوم، إما لصعوبة تقدير هذا التعويض كما سبق، أو لأن تاريخ نضوب النفط بعيد في تقديرات البعض، مما يقلل قيمة هذا التعويض.

لكن يظل الأصل النظري في نهاية المطاف بالنسبة للموارد الناضبة، هو كما يقرر هوتيلنج، من أنه لا بد أن يأتي يوم تقل فيه الكميات المستخرجة وترتفع التكلفة إلى حد يجعل من الاستمرار في استعمالها أمرا غير منطقي اقتصاديا. إذاً نحن بصدد منحنى أسعار (افتراضي) يرتفع تدريجيا طوال مرحلة استغلال المورد الناضب، وتتخلله فترات من الانخفاض المؤقت نتيجة العوامل سالفة الذكر، على أن ترتفع الأسعار بعد ذلك على المدى الطويل، طالما استمر العالم في الاستهلاك المتنامي للمورد. ويستمر هذا الارتفاع إلى أن تزيد تكلفة المورد الناضب عن تكلفة البديل، عندها يتبنى العالم المصدر البديل والأجدى اقتصاديا، حتى وإن بقيت كميات كبيرة من المورد الناضب في مكامنها دون استخراج، وهذا ما يسمى بالنضوب الاقتصادي للمورد، تمييزا له عن النضوب الفعلي.
ياسر فقيه        2016-08-26 11:57 PM

الاثنين، 9 نوفمبر 2015

فضيحة سيارات فولكس واجن ومستقبل الديزل في أوروبا

تعليقات حول تداعيات فضيحة فولكس واجن على استهلاك الديزل في أوروبا

  • اعترفت شركة فولكس واجن للسيارات مؤخرا بتثبيت برنامج في السيارة يعطى قراءة مضللة لنسب الانبعاثات. 
  • لسنوات طويلة، ظلت أسعار الديزل كوقود للسيارات في أوروبا أقل من أسعار البنزين، وذلك بسبب فرض ضريبة أقل على وقود الديزل هناك. أي أن فرق السعر سببه تدخل سياسات الحكومات هناك. 
  • لهذا تزدهر مبيعات سيارات الديزل في أوروبا مقارنة بغيرها من مناطق العالم، إذ نجد أن مبيعات سيارات الديز ل في أوروبا تشكل 75% من مبيعات سيارات الديزل حول العالم.
  • كان الهدف من هذه السياسة هو تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، حيث تقل انبعاثاته من الديزل مقارنة بالبنزين بسبب ارتفاع كثافة الطاقة فيه مقارنة بالبنزين، وبالتالي يحتاج المحرك لحرق كمية أقل من الديزل لتوليد نفس كمية الطاقة في محركات البنزين. كما أن كفاءة محركات الديزل أعلى من نظيراتها محركات البنزين في عملية الاحتراق.
  • هذه الفوائد تقتصر على انبعاثات ثاني أكسيد الكربون ذو الآثار السلبية على الانحباس الحراري، لكن ما يغفل عنه الكثير هو أن هناك انبعاثات أخرى أشد خطرا على صحة الإنسان من ثاني أكسيد الكربون مثل أكاسيد النيتروجين NOx والتي ينفثها محرك الديزل بغزارة، وتبقى عالقة في الجو على ارتفاعات منخفضة فتؤثر مباشرة على الصحة ومستوى الرؤية. 
  • أكاسيد النيتروجين تسبب ضبابا تلوثيا كثيفا (Smog) يحيط بالمدن، حتى أن مدينة في قلب أوروبا مثل باريس التي تكثر فيها سيارات الديزل تعاني أحيانا من ضباب دخاني يشبه الضباب التلوثي في مدن الصين التي تعاني بشكل حقيقي من الأدخنة الملوثة في الجو. 
  • كما أن المدن الأوروبية الكبرى وهي معقل سيارات الديزل تعتبر أكثر تلوثا من نظيراتها في أمريكا التي يكثر فيها استخدام البنزين، وهو ما لم يكن في الحسبان يوم سنت دول أوروبا قوانينا تروج لاستخدام الديزل.
  • ولهذه الأسباب، فقد بدأ مؤخرا حراك حكومي في أوروبا للحد من استخدام الديزل وفرض ضرائب أعلى عليه، مما أدى إلى تباطؤ في نسب استهلاكه في الأعوام الأخيرة.
  • كالعادة، فإن القطاع الصناعي وبالأخص مصانع سيارات الديزل يحاول جاهدا تفادي مثل هذه القوانين التي تؤثر على أرباحه المعتمدة على الديزل المدعوم حكوميا، لكن فضيحة شركة فولكس واجن الأخيرة غيرت المعادلة. 
  • إذ بدأت ردة فعل حقيقة ضد تدليس مصنعي سيارات الديزل وفوائدها المزعومة في ضوء هذه الفضيحة
  • لذا يبدو أن استخدام الديزل في أوروبا بدأ رحلة الانحسار وقد يتجه الناس مباشرة إلى سيارات كهربائية أو هجينة إذا تم توفير شبكة لها، وهو ما تحاول بعد الدول الأروبية جاهدة تيسير سبله عن طريق الاستثمار في شبكات شحن السيارات كهربائيا وتوفير الحوافز المالية للمصنعين والمشترين.
  • كل هذه التطورات ستسهم في استمرار تباطؤ استهلاك مشتقات النفط في قطاع المواصلات في القارة العجوز

الاثنين، 19 أكتوبر 2015

السيارة الكهربائية في بلاد النفط

النرويج، ذلك البلد النفطي الملهم، والمتصالح مع دوره ومسؤوليته نحو تنمية مواطنيه والانتقال الهادئ بهم إلى المستقبل، دون تشنج أو تخوف من أي تقنية ممكن أن تقلل الاعتماد على نفطهم. بل على العكس، نجده يتبنى أشد الأنظمة للحد من نمو الطلب على النفط داخل حدوده واستغلال مصادر الطاقة المتجددة (والتي ينعم بوفرتها أيضا) كطاقة المياه لتعويض الفارق. 

ضريبة امتلاك السيارات التقليدية في النرويج تعد من بين الأعلى في العالم، فبالإضافة إلى ضريبة مبيعات مباشرة تبلغ 25% في قيمة السيارة، هناك أيضا ضريبة تسجيل (استمارة) تصل إلى 12000 دولار!! وقد يبدو هذا غريبا في بلد نفطي، على الأقل من وجهة نظرنا نحن، ولعلك ستفاجأ أكثر إن علمت كيف تسعى النرويج سعيا حثيثا لتسهيل امتلاك السيارات الكهربائية التي لا تعتمد على النفط ومشتقاته نهائيا مثل سيارة تسلا و نيسان ليف. 

كنسبة من اجمالي السيارات في النرويج، تعتبر نسبة امتلاك السيارات الكهربائية هناك الأعلى في العالم، حيث بلغت نسبة السيارات الكهربائية 22% من عدد السيارات المباعة في 2015. وإذا أراد المواطن النرويجي التخلص من الضرائب الهائلة على تملك السيارات، فما عليه سوى شراء سيارة كهربائية، ولن يضطر لدفع دولار (أو كورونا) واحدة كضرائب أو رسوم تسجيل. بل أفضل من هذا، سيكون معفي من كل رسوم مواقف السيارات ورسوم الطرق السريعة أو رسوم نقل سيارته فوق السفن والعبارات البحرية.

قرأت هذه الحقائق في تحقيق صحفي مفيد نشر في صحيفة نيويورك تايمز على هذا الرابط:


هناك عدة تعليقات حول هذه المعلومات: 
- دار نقاش مشوب بشيء من المزاح بين بعض الأصدقاء عن كيف ستشكل السيارات الكهربائية طامة كبرى على دولنا النفطية إن تم تبنيها بشكل واسع. سياسات النرويج في هذا المجال هي على النقيض تماما من نظرتنا القلقة تلك. فهي تسعى لتكون أول من يتبنى التقنية الجديدة دون الهرب والتخوف.
- صحيح أن النرويج تملك وفرة في الطاقة المائية مما يضمن لها توليد كهرباء رخيص، ويخفض الأثر البيئي الكلي للسيارات الكهربائية، ولكن هذا لا يعفي دولنا في الخليج من محاولة استثمار مصادر طاقة متجددة مثل الطاقة الشمسية، والعمل على تقليل تكاليفها
- الحوافز المالية والاقتصادية هي أهم ما يشكل سلوك المستهلك، وهذا ما نراه في التجربة النرويجية من خلال الضرائب العالية على السيارات التقليدية، والإعفاءات الضريبية على السيارات الكهربائية
- صحيح أن النفط هو مصدر دخلنا الأساسي، ولكن هذا يمثل حافزا إضافيا لتقليل الهدر والاستهلاك الداخلي المسرف، وليس العكس.

بقي أن أقول: هذا المقال القصير ليس دعاية للسيارات الكهربائية، ولست أنادي بأن علينا تبينها الآن. هو مجرد تسليط ضوء على دولة نفطية اختارت المضي بشراسة في اتجاه يخالف المفهوم السائد في البلاد النفطية الأخرى دون تردد أو تحفظ، وراهنت على التقدم التقني وأعدت نفسها ومواطنيها لذلك، وهذا في حد ذاته مثير للإعجاب. 

الاثنين، 31 أغسطس 2015

الاقتراض مقابل استنزاف الاحتياطي.. أيهما الأجدى؟

لماذا نلجأ للاقتراض الداخلي عبر إصدار سندات حكومية ونحن نملك احتياطيا كبيرا من النقد الأجنبي؟

عندما أعلنت المملكة عن إصدار سندات حكومية (ديون) لعدد من المؤسسات السيادية العامة والبنوك المحلية، كانت هناك عدة تساؤلات عما إذا كان هذا الإجراء (الاقتراض من الداخل) أفضل وأجدى من استمرار السحب من الاحتياطي النقدي بالعملة الأجنبية وحده. محور التحفظ على سياسة الاقتراض هي: لماذا نقترض الآن ونضطر إلى سداد الدين مستقبلا مع فوائده، ونحن لدينا احتياطي ممكن أن نسحب منه بدون فوائد؟ 

بداية، الاقتراض ليس مرغوبا في حد ذاته، لكن هناك حالات تلجأ فيها الحكومات للاقتراض لسداد عجز في الميزانية لأي سبب من الأسباب، سواء كان عارضا قصير المدى أو طويل المدى. 

كما ينبغي أن ندرك أن القرارات التي تتخذها الحكومات الآن فيما يتعلق بالسياسة النقدية أو السياسة المالية حتما ستؤثر على الخيارات المتاحة أمامها في المستقبل، أي أن كل قرار الآن له تبعات في المستقبل، وعلى هذا ينبني الجواب على التساؤل أعلاه. 

لماذا تحرص الدول على الحفاظ على كمية جيدة من الاحتياطي الأجنبي؟ 

الاحتياطي الأجنبي له دور فعال في مجالات لا تستطيع الديون وحدها التعويض عنها. من ذلك أنه:
  • وسيلة لسداد المستحقات الدولية من فواتير الواردات وخدمة الديون السيادية والتجارية، سواء استخدم الاحتياطي الأجنبي مباشرة، أو تم تسييل بعض الاستثمارات في سندات الخزانة الأمريكية للحصول على النقد.
  • وسيلة لتأكيد الثقة في ثبات العملة المحلية وسعر صرفها عالميا، وتقليل احتمال هجمات المضاربين على العملة، والتدخل السريع في أسواق العملات في حال التذبذب في سعر الصرف بشكل كبير
  • وسيلة لامتصاص الصدمات الاقتصادية والمالية التي قد تفاجئ الحكومة (Buffer)
طبعا، هناك حكومات تلجأ للاحتياطي لتمويل عجز الميزانية أو لتمويل مشاريع وبرامج حكومية معينة، ولا يوجد ما يمنعها من ذلك، لكن أردت فقط توضيح أن الدور الأساسي للاحتياطي الأجنبي يتجاوز مجرد تمويل العجز، بل له مزايا معينة لا يمكن لوسيلة تمويل أخرى القيام بها.

والآن نناقش الاقتراض وبيع السندات الحكومية:

  • إصدار السندات (الاقتراض) الآن بينما الاحتياطي الإجمالي (من ودائع واحتياطي حكومي أو ودائع أخرى) لازال كبيرا يعني أن سعر الفائدة على القروض ستكون قليلة، بعكس لو استنزفنا الاحتياطي أولا ثم اتجهنا إلى سوق الإقراض ونحن لا نملك الضمانات الكافية على سلامة الاقتصاد، فستكون تكلفة الاقتراض عندها عالية جدا. 
  • ثقة السوق في موقف الحكومة المالي (بسبب الاحتياطي الكبير) يجعل في مقدورها إصدار سندات الدين بالعملة المحلية (الريال مثلا)، لأن الثقة في ثبات الريال مرتبطة بالاحتياطي
    • اصدار الدين بالريال له فوائد، أهمها أن الحكومة ستتمكن دائما من السداد، حتى لو تآكلت القدرة الشرائية للريال في المستقبل.
    • لو اهتزت الثقة في قيمة الريال بسبب استنزاف الاحتياطي، فلن يقبل به الدائنون، وستضطر الحكومة لإصدار سندات دين بالعملة الأجنبية، مما لا يتيح للحكومة المرونة في كيفية سداد الدين مستقبلا
  •  إصدار السندات هي وسيلة من وسائل السياسة النقدية، حيث تتيح السندات القدرة على سحب سيولة من السوق والبنوك إن أرادت الحكومة ذلك حسب سياستها. طبعا سحب السيولة من الاقتصاد فيه مزاحمة لباقي المقترضين من مواطنين وشركات، وهذا يرفع سعر الفائدة على الجميع، وقد لا يكون في مصلحة البلد إن كان الهدف تحفيز الاقتصاد.
  • بيع السندات هي طريقة لزيادة دخل الحكومة وفي نفس الوقت توفير عائد استثماري لمن يحملون هذه السندات. وبهذا تكون وسيلة جيدة لتسعير الديون المختلفة في البلد، بما فيها ديون الشركات عن طريق توفير أسعار فائدة معيارية (benchmark)

ختاما

إصدار الديون ليس حلا مثاليا، لكن توقيت إصدارها الآن أفضل من استنزاف الاحتياطي بالكامل ومن ثم اللجوء للاقتراض، للأسباب المذكورة أعلاه. 
 بالطبع، لا تستطيع أي حكومة الاستمرار في إصدار الديون بشكل دائم، حيث لابد من سداد هذه الديون من فوائدها في وقت ما. اللهم إلا في حالة واحدة، وهي أن يستمر النمو الاقتصادي بوتيرة أسرع من معدل الفائدة للأبد، مما يسمح للاقتصاد بامتصاص المزيد من سندات الدين، وهذا شبه محال. 
خيار الديون هو خيار يعتمد على توجه الحكومة ونظرتها للمستقبل، وقد يعني أن أولويات التنمية الآن تفوق في أهميتها حمل تسديد الديون مستقبلا، أو أن تكون نظرة الحكومة متفائلة حيال مستقبل النمو وقدرة الأجيال القادمة على سداد ديون اليوم إن تم توفير عوامل النمو من بنية تحتية ومشاريع تنمية وتعليم. وأخيرا، عامل التوقيت في إصدار الديون مهم جدا في لنجاحه في سداد عجز الميزانية المؤقت بأقل التكاليف.


===============
نظرية التساوي الريكاردية:
يقول الاقتصادي ديفيد ريكاردو بأن الناس يدركون بأن الحكومة التي تقترض الآن لتمول بعض المشاريع أو الصرف الحكومي، لا بد لها في المستقبل من أحد خيارين: إما أن تضطر لتخفيض النفقات بشكل كبير، أو ترفع الضرائب بشكل كبير لتتمكن من سداد ديون اليوم. وبما أن الناس ليسو أغبياء، فسيدركون هذا الأمر ويحسبون حسابه، ولن يتغير نمط استهلاكهم، سواء اقترضت الحكومة أم لم تقترض. 

الجمعة، 28 أغسطس 2015

تعليق الاقتصادي بول كولير حول الديمقراطية والتنمية

أثناء محاضرة في جامعة لندن للاقتصاد حول التنمية الاقتصادية في الدول الفقيرة والنامية، وجهت إحدى الحاضرات سؤالها للاقتصادي البريطاني (السير) بول كولير عما إذا كان تبني الديمقراطية شرطا لازما للتطور والنمو الاقتصادي في الدول النامية، وكان السؤال كما يبدو من صياغته من باب تأكيد المعلوم للحاضرين، والتغني بالديمقراطية الغربية كحل لمشاكل النمو في الدول البائسة على اختلاف خلفياتها وتركيبة سكانها. ولكن كان رد البروفيسور كولير صارما ومفاجئا للحضور: بالطبع لا!

ثم استطرد كولير قائلا: 
"دأب الغرب على التسويق للديمقراطية الحزبية والانتخابات على أنها القمة السامقة والطريقة المثلى لوصول الحكومات الرشيدة والشرعية  للسلطة. إلا أن هذه الآلية تؤدي إلى نتائج كارثية في المجتمعات المقسمة ابتداءا (قبليا أو عرقيا أو طائفيا أو ...). فالديمقراطية الحزبية في هكذا مجتمعات لن تزيدها إلا انقساما وفرقة، حيث تشكل كل مجموعة عرقية أو طائفية حزبا خاصا بها، وتتنافس مع المجموعات الأخرى على أساس هذه الهويات المحددة سلفا، فتتحول السردية السياسية إلى سردية قائمة على القمع الفكري وشيطنة الطرف المنافس، مما يعمق الفرقة والخلاف ويمزق الدولة. إن ما تحتاج إليه هذه المجتمعات في الحقيقة هو الهوية المشتركة، والهوية المشتركة حتما لن تخرج من رحم ديمقراطية حزبية قائمة على القمع الفكري. 

بالاضافة إلى ذلك، فإن الانتخابات في الديمقراطيات الحزبية، حتى هنا في الغرب، لا تنتج حكومات ذات شرعية مؤهلة للحكم. الوحيدون الذين يعتقدون بهذا الادعاء هم الفائزون في الانتخابات، والممولون لهم. في اعتقادي، الشرعية لا بد أن تكتسب على المدى الطويل من خلال الأداء والنتائج الملموسة التي يشعر بها المواطن العادي. "

الخميس، 5 مارس 2015

رأس المال في القرن الحادي والعشرين ونظرة على الحالة السعودية

قراءة في كتاب رأس المال في القرن الحادي والعشرين 

(وتعليقات جانبية حول السعودية)

توما (توماس) بيكيتي

هذا الكتاب الضخم والذي نشر بالفرنسية أولا عام 2013 ثم بالإنجليزية ولغات أخرى العام الماضي قال عنه كبار الاقتصاديين مثل كروغمان ولاري سمرز وغيرهم بأنه قد يكون أهم كتاب اقتصادي نشر خلال العقد الماضي، إن لم يكن الأهم في آخر خمس وعشرين سنة. الكتاب أثار ضجة في أوساط الاقتصاديين، ما لبثت أن امتدت آثارها لشرائح أوسع من القراء والهتمين، ونشرت مئات المقالات مناقشة ومحللة لأبرز ما جاء في الكتاب. ولا يزال أهل الاختصاص منقسمين بين مؤيد ومعارض ومتحفظ على نظرية هذا الاقتصادي الفرنسي الذي صعد للنجومية، توما بيكيتي.

خلاصة الكتاب:

تكدس الثروات في أيدي القلة بات ظاهرة عالمية يزداد تفاقمها مع الوقت، وتنذر بنتائج وخيمة إن لم يتم تداركها.

بالنسبة للكاتب، فإن تناقض الرأسمالية الأساسي هو أن العائد على رأس المال (يرمز له بالحرف r) دائما يفوق معدل النمو الاقتصادي العام (g)
ويلخصها بالعلاقة: r > g

هذه الحقيقة كانت جلية للعيان في القرنين الثامن والتاسع عشر مع سيادة طبقة الإقطاعيين والطبقات المخملية، حيث كان يكفي أن يرث أحدهم من أسرته أو تتزوج احداهن بأحد أصحاب الأملاك، ثم تنتفي الحاجة للعمل بعد ذلك، حيث تكفي عوائد الأصول الثابتة (من إجارت ومكوس وغيرها) للصرف والإنفاق ببذخ، بينما تكاد تنعدم حظوظ من ولد ضمن طبقة المزارعين أو العمال في الثراء أو الصعود الاجتماعي، بل يغلب على حاله أن يولد فقيرا ويموت فقيرا. حقيقة رأس المال هذه التي يقررها بيكيتي توارت وانحسرت بعض الشيء في أوروبا لأسباب تاريخية بدأت مع الثورة الفرنسية وانتهت بالكساد العظيم في نهاية عشرينات القرن الماضي وما تبعها من الحروب العالمية. ولكن ظاهرة ازدياد الأثرياء ثراء والفقراء فقرا بدأت تطل برأسها من جديد وبتسارع مقلق مؤخرا.

الهزات العنيفة التي أحدثتها الحربين العالميتين وما أسفر عنها من تدمير ومن ثم إعادة توزيع لرأس المال المتراكم أوهم الكثير بأن آفة الرأسمالية قد تم التغلب عليها، وأن تراكم الثروات في أيدي القلة على حساب الأكثرية قد ولى دون رجعة، حيث أعادت الحروب والدمار الكثير من سكان أوروبا للمربع الأول، وبدا ممكنا لأفواج الفقراء أن يلتحقوا بالعمل الصناعي أو الحكومي والحصول على جزء من كعكة الرأسمالية على شكل امتلاك منزل أو شقة وسيارة أو مزرعة صغيرة، أو حتى الوصول للثراء إن تضافر العمل الدؤوب مع التعليم وشيء من التوفيق، ولم يعد شرطا أن يولد المرء في أسرة مخملية ثرية ليحقق أحلامه في الثراء والصعود في طبقات المجتمع. كانت حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى منتصف السبعينات في أوروبا وفرنسا تحديدا تسمى بالثلاثين العظيمة أو الرائعة Les Trente Glorieuses نظرا للنمو الاقتصادي القوي حينها والذي بلغ في المتوسط 5% سنويا في أوروبا ولإحساس الناس بزوال عصر الطبقية والأرستقراطية.
في الواقع لم تكن تلك الفترة سوى الاستثناء، وسرعان ما عادت قوى الرأسمالية تعصف من جديد وأفرزت معها طبقية رأسمالية بأسماء مختلفة، وهي حقيقة باتت تتضح معالمها أكثر منذ الثمانينات وحتى الآن. كل الدلائل تشير إلى أن معدل النمو الاقتصادي العام في الدول الغنية (وأوروبا تحديدا) لن يتجاوز 1% إلى 1,5% في أحسن الأحوال خلال القرن القادم، وهذه النتيجة سبق أن أشار إليها أكثر من اقتصادي في السابق، أبرزهم الاقتصادي الإنجليزي ستيفن كنج في كتاب When the Money Runs Out. أسباب ذلك عديدة من بينها التباطؤ السكاني الكبير في هذه الدول وأسباب أخرى ليس هذا مجال سردها، كما أن جزءا من النمو السريع في حقبة (الثلاثين الرائعة) كان نتيجة لعملية اعمار ما بعد الحرب والإنفاق الحكومي الكبير على البرامج الاجتماعية، فهو نمو استثنائي خلقته ظروف يصعب تكرارها في المستقبل.
التباطؤ الاقتصادي المتوقع مستقبلا سيزيد من تفاقم الخلل في العلاقة r > g مما يعني المزيد من اللامساواة في توزيع الثروة بين القلة ذات النفوذ والأغلبية التي تعيش الكفاف.
العائد العالمي على رأس المال يستأنف مساره التصاعدي (أحمر غامق) بينما ينخفض معدل نمو الاقتصاد العالمي (الفاتح) وتزداد الفجوة

قوى الرأسمالية تسير حثيثا نحو تعميق فوارق الدخل والثروة بين الطبقات

الرسالة القاتمة في الكتاب هي كما أسلفت أن التحسن النسبي في مؤشرات اللامساواة الذي شهده العالم منذ خمسينات القرن الماضي وحتى منتصف السبعينات لم يكن سوى حالة عابرة كونتها ظروف الحربين العالميتين وما خلفته من دمار أصاب الكثير من الثروات وأعاد توزيعها بين الطبقات. إلا أن تلك كانت حالة شاذة لها ظروفها، وسرعان ما استعادت قوى الرأسمالية الطاغية عافيتها ونحن الآن مقبلون على مرحلة تزداد معها فوارق الثروات بين طبقات المجتمعات كافة، وقد تستمر حتى تضج الجموع المغلوبة ويدخل العالم في موجات عنف واضطرابات تستمر أجيالا حتى تعود الأمور إلى نصابها. 

ومما يزيد الطين بلة هو أن التضخم في أسعار السلع الذي هو آفة الاقتصاد الحديث لا يؤثر كثيرا على المتحكمين في رأس المال، بل يكاد يتركز ضرره ضمن الطبقات المتوسطة والفقيرة التي لا تملك إلا رواتبها، فتتآكل مدخراتها وتضعف قوتها الشرائية، بينما يكتفي صاحب رأس المال بزيادة الأسعار أو الإيجارات على المستهلك. وهذا يعني ازدياد أهمية الثروات المتراكمة والتي تتوارثها الأسر الغنية، بينما سينحسر دور الإنجاز الشخصي في تشكيل الثروة، وهذا يُضعف رابط العقد الاجتماعي في الدول، وينسف الوعود البراقة بأن لكل مجتهد نصيب من كعكة الثروة. 

تركيبة طبقة أغنى 1% في المجتمع أو حتى ال 0,1% طرأ عليها بعض التغيير، فبعد أن كان جلها من أصحاب الأملاك من الإقطاعيين في القرنين الثامن والتاسع عشر، أصحبت الآن مزيجا بين أصحاب الأملاك وبين كبار المدراء التنفيذيين بالإضافة لبعض نجوم السينما والفن والرياضة، حيث لم يعد مستغربا أن يحصل كبار مسؤولي الشركات على رواتب وحوافز بعشرات الملايين في العام الواحد دون أن يجد حملة الأسهم حرجا في ذلك. في رأي الكاتب، فإن العقلية الجمعية في المجتمعات الحديثة صارت أكثر تقبلا وتعاطفا مع الأثرياء من هذا النوع مقارنة بالصورة النمطية بالثري الوارث الذي ولد "وفي فمه ملعقة من ذهب"، حيت تروج وسائل الإعلام وكتب الإدارة لقصص نجاح هؤلاء المدراء لإضفاء نوع من الشرعية على رواتبهم الهائلة، ولتحاول اقناع الناس بأن هذه الثروات قد استحقها هؤلاء فعلا نتيجة جدارتهم ومهارتهم في إدارة الشركات. في الواقع، فإن كل من له اطلاع على واقع سير الأعمال يدرك أن هذه النظرة فيها الكثير من المثالية والسطحية، فليس من المعقول أن انتاجية المدير التنفيذي في شركة كبرى تفوق بمئة ضعف انتاجية المهندس في إدارة تطوير المنتجات مثلا، ولكن الواقع الفارق بين راتبيهما قد يوحي بذلك.
نصيب أغنى 10% من السكان في مجموع ثروة البلاد في أمريكا، تكدس الثروة في يد القلة واضح منذ منتصف الثمانينات

المال يولد المال

ولكن، ألا يستطيع أي انسان أن يحصل على جزء من العائد المرتفع على رأس المال (r) عن طريق مشاركته المباشرة في أسواق الأسهم والأصول المالية مثلا، حتى وإن كان يعتاش على راتبه؟ هنا يوضح الكاتب بأن المحافظ المالية قليلة رأس المال تكون عرضة لهزات السوق الدائمة واحتمال خسارتها كبير، خصوصا إذا حسبنا تكلفة إدارتها ورسوم عمليات البيع والشراء وغيرها. في المقابل، فإن المحافظ الاستثمارية الكبيرة (عشرات الملايين وأكثر) تُدر عائدا أفضل بكثير من متوسط السوق، حيث يُمَكّنها حجم أصولها الضخم من تنويع الأدوات الاستثمارية وتقليل المخاطر بشكل كبير، كما أن المحافظ المليونية أو المليارية قادرة على تعيين أفضل المدراء الماليين والحصول على معلومات سريعة ودقيقة غير متوفرة لصغار المستثمرين. الكاتب هنا يعرض مقارنة لأداء أوقاف الجامعات الكبرى في أمريكا، والتي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، بالإضافة لأداء الصناديق السيادية للنرويج وأبوظبي، حيث تحقق هذه الأوقاف والصناديق عوائد بين 6 إلى 10% سنويا، أي أعلى بكثير من عوائد أي مؤشر مستقل بعينه، وحتما أعلى من النمو الاقتصادي العام. والخلاصة هي أن أصحاب الثروة الكبيرة ابتداء أقدر على تنميتها من غيرهم، مما يخلق حائلا بين الطبقات الثرية وبين الطامحين من أهل الطبقات الدنيا.
العائد على استثمارات أوقاف الجامعات الغنية في أمريكا (يزداد العائد مع زيادة حجم الأصول)

دور الضرائب في تقليص الفجوة:

يتسلسل الكاتب في بناء وجهة نظره حتى يصل لمقترح قد يحد من آفات الرأسمالية وسيلها الهادر الذي يكدس الثروات في أيدي القلة بنسب متسارعة. الحل يتمحور حول فرض ضرائب متصاعدة على الطبقات الثرية، ويفضَّل أن تكون هذه الضريبة عالمية، يعنى أن صاحب الثروة لن يستطيع الهرب بأمواله واستثماراته لبد آمن ضريبيا كجزر الكاريبي مثلا، بل إن الضريبة المقترحة لابد من تنسيق تحصيلها عالميا بين الدول. الجيد في هذا المقترح هو أن نسبة الضريبة (إن تم فرضها بصرامة) قد لا تزيد على 1% على مجموع الثروات (بالإضافة لضريبة الدخل المعمول بها أصلا في كل بلد على حدة). فباستثناء ضريبة العقارات، تكاد لا توجد ضرائب تذكر حاليا على أشكال الثروات المتراكمة سواء أرصدة بنوك أو أصول شركات وأسهم أو صناديق عائلية. نسبة ضريبة على الثروات المتراكمة كالتي يقترحها الكاتب -وهي أقل من نسبة زكاة المال في الإسلام- كفيلة من وجهة نظره بإعادة التوازن وتحقيق شيء من العدالة في توزيع الثروات. أما الجانب الصعب في هذا المقترح هو أن حلا كهذا يتطلب اجماعا أمميا عالميا، وهو أمر صعب من وجهين، الأول ضعف الثقة بين الدول غنيها وفقيرها وشبه استحالة إجماعهم على قرار كهذا، والأمر الثاني هو أن قوى المال الخفية التي تُسيِّر اللعبة في الظل لديها من المصالح والنفوذ ما يجعل أي قرار يمس بها صعب المنال إن لم يكن مستحيلا ما لم يجد العالم وسيلة لتفكيك نفوذ أرباب المال المتغلغل في مفاصل اللاقتصاد العالمي.

ماذا عن دور التعليم في الترقي المجتمعي والمالي للأفراد؟

الحل لخلل توزيع الثروة لا ينحصر فقط في نظام الضرائب أو فرض الحد الأدنى للأجور، لكن لب السألة ترتكز على التعليم ورفع مستوى أفراد الشعب كافة، وتمكين أبناء الطبقات الدنيا من تضييق فجوة الدخل من خلال منافسة الشريفة في مجال التعليم والمهارة. ولكن هل ميدان المنافسة من خلال التعليم والتأهيل في منأى عن الطبقية هو الآخر؟  الآفة هي أن مجال التعليم يعاني أيضا من آثار استئثار القلة بالثروة، حيث أن نظام التعليم الممتاز ليس متاحا للكل، بل يكاد يكون محصورا لأصحاب الدخل العالي. فالمدارس الخاصة غالية الثمن والجامعات الراقية في العالم (هارفارد، ييل، برينستون...) معظم طلابها ينتمون لشريحة أغنى 2% من السكان البلد كمتوسط، بينما لا تكاد ترى بينهم أبناء أصحاب الدخل المنخفض في الغالب، هذا إن تمكنوا من الحصول على تعليم عام جيد في المدارس الحكومية ابتداء. هذه الفوارق في جودة التأهيل العلمي بالإضافة إلى ما توفره الجامعات الراقية من صلات وعلاقات مع صناع القرار مقارنة بمدارس وجامعات الطبقات المتواضعة، تكرس على المدى البعيد هذا التمايز بين الطبقات وتعمق الفجوة بين أصحاب الثروات وغيرهم.

الحلول المقترحة في الكتاب:

رغم المصاعب، فإن الكاتب ينادي بالاستثمار في التعليم وفي التقنيات المنسجمة مع البيئة، مع فرض ضريبة بسيطة لكن تصاعدية على إجمالي رأس المال في العالم، وليس عائد رأس المال وحسب. ضريبة كهذه في حدود 0,5% أو أقل لن تؤثر على سير الأعمال ولكنها ستُفرض على قاعدة مالية كبيرة ويعاد توزيعها على طبقات المجتمع من خلال برامج حكومية مفيدة.
وهنا ينادي الكاتب بأن الديمقراطية السياسية هي الحل الوحيد الذي يملك إنقاذ العالم، ويدعو إلى وحدة أوروبية حول الضريبة وسياسات الإنفاق والمال حيث تصبح أوروبا كأنها مجموعة ولايات كالولايات المتحدة الأمريكية، تدير أمورها المحلية بنفسها، لكن تحكمها سياسات فيديرالية عُليا لا تحيد عنها. اقتراح الكاتب يدعو بالضرورة إلى شيء مماثل على مستوى العالم في شكل حكومة عالمية مع نفوذ لفرض الضرائب والمكوس الملاحقة القضائية وتدقيق الحسابات.


  • كمية البيانات التاريخية هائلة، والكتاب قد يبدو جافا بسبب كثرة الرسومات البيانية، ولكن الكاتب حرص على أن لا يتجاوز ما هو ضروري لعرض فكرته. الكاتب وفريق بحثه أمضوا قرابة عشر سنوات من التدقيق في وثائق الضريبة الأوروبية والفرنسية خصيصا ليرسموا تصورا واضحا حول مسار تكدس الثروات وتوزيعها بين الطبقات. 
  • الكتاب يحوي جهدا بحثيا رائعا، والنتائج التي يعرضها قد تصل بالمؤلف لنيل جائزة نوبل في مجاله مستقبلا.
  • أهمية الكتاب تكمن في إعادة تسليطه الضوء على موضوع اللامساواة وسوء توزيع الثروات في العالم وضمن المجتمعات. قد يبدو هذا الموضوع حاضرا في أذهان الكثير، لكن الكتابات المتخصصة الاقتصادية قد تناست أو أغفلت هذا الجانب على مدى العقود الماضية، حيث ما فتئ الاقتصاديون بترديد أن مسألة توزيع الكعكة والحكم على (عدالة) توزيع معين دون غيره هي خارج اختصاصات الاقتصاد لأنها داخلة ضمن الأسئلة الأخلاقية وأحكام والصواب والخطأ، ولا تنسجم مع "الحياد العلمي" للاقتصاد كعلم تجريبي. بيكيتي بكتابه هذا أعاد هذا السؤال إلى مركز الاهتمام، خصوصا وأن البيانات الهائلة التي جمعها غير قابلة للأنكار وتؤكد على وجود خلل ما. بيكيتي يذهب لأبعد من هذا بتقرير أن هذا الخلل يؤدي بالضرورة لمشاكل اقتصادية عامة، يتعدى ضررها مجرد الجدل الأخلاقي. 

الاثنين، 19 مايو 2014

أثر رفع الحد الأدنى للأجور على مستوى البطالة.. إعادة نظر

دار مؤخرا نقاش على تويتر حول أثر رفع الحد الأدنى للأجور في بلد ما على معدلات البطالة. الرأي الذي تبناه صديقي هو أن النتيجة لرفع الحد الأدنى للأجور سيؤدي (غالبا) لزيادة البطالة بين العاملين الأقل مهارة. صديقي يرى أن هناك شبه إجماع بين الاقتصاديين على حتمية هذه النتيجة، أي أن المسألة محسومة وبديهية. لكن هل القول بحتمية هذه النتيجة صحيح سواء نظريا أو من خلال الأرقام على أرض الواقع؟

في البدء يجب أن لا نغفل أن الظواهر الاقتصادية هي فرع من الظواهر الاجتماعية وبالتالي تتخللها عوامل كثيرة لا تسهل الاحاطة بها عن طريق النماذج الرياضية المبسطة.. مما يعني أن ما تتنبأ به النماذج نادرا ما يوافق الواقع تماما، بل حتى قد يخالفه في الاتجاه أحيانا، خصوصا إن كانت النماذج مغرقة في المثالية والبساطة. 

والآن لنرجع للسؤال: هل زيادة الحد الأدنى للأجور تؤدي (حتما أو غالبا) لزيادة نسبة البطالة؟ 

الذين يجيبون بنعم، هم غالبا يستندون الى نموذج منطقي لكنه مبسط جدا. النموذج المنطقي المذكور يفترض بأن سوق العمل هو سوق تنافسي بحت، وهذا السوق له نقطة توازن تتساوى عندها كمية المعروض من الأيدي العاملة مع ما تطلبه الشركات والمؤسسات، وأن الكل في هذا السوق التنافسي يتصرف بأقصى درجات الكفاءة وبالتالي ويحصل العامل على أجر يساوي تماما قيمة عمله، فلا أحد في هذا السوق المثالي يأخذ أكثر من حقه ولو بهللة، وأرباح الشركات تساوي صفرا، حيث أن القيمة التى تخلقها عوامل الانتاج من موظفين ومعدات تساوي تماما ما تصرفه الشركة من رواتب لهؤلاء الموظفين وتكلفة المعدات. في هذا العالم المثالي، فإن المنطق يحتم أن أي زيادة للحد الأدنى من الأجور فوق نقطة التوازن سيؤدي لخلل، فإذا كانت مقدرة العامل الانتاجية تساوي 10 ريال وأجبرت الدولة المؤسسة أن تدفع له 15 ريال، فإن المؤسسة التنافسية لن تملك إلا أن تتخلى عنه، وإلا خسرت المال. 

 النموذج المبسط يبين الأثر السلبي لرفع الحد الأدنى للأجور على سوق العمل


هذا الرأي ليس جديدا، بل طرحه الاقتصاديون منذ الستينات والسبعينات الميلادية، لكن ولحسن الحظ، فإن الدراسات حول هذا الموضوع والأساليب الاقتصادية والإحصائية منذ ذلك الحين تطورت بشكل كبير وصارت الأبحاث بالمئات.

ظلت النظرة السائدة هي أن زيادة الحد الأدنى للأجور لها أثر سلبي على سوق العمل، حتى جاءت أبرز الدراسات التى خالفت النتيجة المنطقية المبسطة أعلاه هي دراسة Card and Kruger 1994 والتي اعتمدت على ما يعرف بالتجربة الطبيعية لقرار حصل في ولاية نيوجيرسي لرفع الحد الأدنى للأجور ومقارنة النتائج مع ولاية مجاورة تتشابه خصائصها الاقتصادية ولكن لم يطلها القرار نفسه، وتم مسح عينة تفوق 400 مطعم للوجبات السريعة معظم العاملين فيه ممن يتقاضون الحد الأدنى للأجور، واستخلصت الدراسة أنه لا يوجد أثر واضح لارتفاع نسبة البطالة بين هؤلاء نتيجة قرار رفع أجورهم. هذه الدراسة أحدثت هزة في أوساط الاقتصاديين ,وأثارت جدلا خصوصا بين من كانوا يسلمون بأن أي تدخل كهذا في آليات السوق سيكون أثره سلبيا بلا جدال. 

الدراسات توالت بعد ذلك، كل يخرج بنتيجة بين مؤيد ومعارض، ولكن بدا ظاهرا للكل أنه لا توجد نتيجة حاسمة تقول قطعا بأن رفع الحد الأدنى للأجور يؤدي لزيادة البطالة، أو أن هذا الإجراء يؤثر سلباً على الاقتصاد كما يشيع المتطرفون من أنصار حرية السوق. ومنذ عام 2000 تقريبا صارت معظم الدراسات في هذا المجال تبحث عن تعليلات وتأويلات لحقيقة أن البيانات لا تدل على الأثر السلبي الذي يتنبأ به النموذج المبسط، وتقترح قنوات اقتصادية وسلوكية تفسر هذا الاختلاف بين النظرية الواقع. 

الإحاطة بنتائج هذا الدراسات وتلخيصها ليس بالأمر الهين نظرا لاختلاف ظروف كل دراسة من حيث المكان أو المدة الزمنية أو طبيعة البيانات المتوفرة. هناك ما يعرف بال meta analysis وهي دراسات احصائية دورها تلخيص مجموعة كبيرة من الدراسات المتفرقة، وتلجأ لأساليب رياضية دقيقة لتستخلص نتيجة دراسات مختلفة الأساليب. احدى هذه الدراسات التلخيصية كانت ل Doucouliagos and Stanley 2008 وجمعت بين 64 دراسة مستقلة حول أثر رفع الحد الأدنى للأجور في أمريكا على البطالة في بين العمال منخفضي المهارة من مراهقين وطبقات فقيرة. النتيجة كانت أن الأثر، إما لا وجود له، أو أنه قد يكون سلبيا في أحيان معدودة ولكن بنسبة ضئيلة يمكن تجاهلها احصائيا. وهي نفس النتيجة التي وصل إليها 2000 Paul Wolfson and Dale Belman في دراسة أخرى تلخص 27 بحثا مستقلا حول نفس السؤال.

معظم التوقعات الدقيقة تتركز عند الصفر، أي أن الأثر لا يذكر
إذا كيف يمكن الجمع بين النظرية المبسطة أعلاه وما وجده الباحثون على أرض الواقع؟ بداية لابد من التذكير بأن النموذج المبسط لم يعد هو المقياس الوحيد لفهم اقتصاديات سوق العمل، فقد تطورت النظريات والأساليب وصار السائد اعتماد نظريات تراعي أن الموظف يمكن تحفيزه عن طريق رفع راتبه والاستفادة من زيادة انتاجيته ، بالإضافة لنظريات تقول أن رفع الرواتب يساهم في استقرار الموظف والشركة ويجعل الموظف أكثر حرصا على تطوير نفسه وتحسين كفاءته، وفي الوقت نفسه يقلل التسرب (الاستقالات) من الشركة مما يوفر على الشركة تكاليف البحث عن موظف بديل وتدريبه وكسب ولائه، أي أن من مصلحة الشركة أحيانا رفع الرواتب فوق نقطة التوازن الافتراضية في النموذج المبسط أعلاه- كما في نموذج Shapiro-Stiglitz، وهي بهذا تعظم أرباحها وتنفع الاقتصاد ككل. وهذا أمر نراه عيانا في الشركات الكبرى في السعودية مثلا، خصوصا عند أولئك الذين يعملون في المهن اليدوية الشاقة.

كما قامت دراسات توضح الأثر الإيجابي لرفع الحد الأدنى للأجور وذلك بأن يتحسن استهلاك الطبقة الفقيرة للسلع والخدمات، وهذا ما تفطن له هينري فورد في قبل مئة عام عندما رفع أجور عمال مصانعه إلى الضعف من دولارين ونصف إلى خمسة دولارات، فعزز ولاء موظفيه وخلق طبقة وسطى قادرة على شراء سياراته آنذاك، فارتفعت أرباحه ككل رغم مضاعفته الصرف على الأجور. كما تبين الدراسات أن الشركات تسعى غالبا لرفع كفاءة موظفيها لتتناسب مع رواتبهم الجديدة، فتحرص على تطويرهم أو تطور أساليب العمل في الشركة لتزيد الإنتاجية وبالتالي لا تتأثر كثيرا بعبء زيادة أجور موظفيها. 

أما عن السؤال الذي يتكرر بأن رفع الحد الأدنى للأجور سيؤدي إلى غلاء عام في أسعار السلع، فنذكر هنا بأن الزيادة تطال فقط فئة محدودة وليست كل قطاعات الموظفين، ومع ذلك قامت دراسات في هذا الشأن احداها للباحثة 2008 Sara Lemos التي لخصت قرابة 30 دراسة مستقلة حول أثر رفع الحد الأدنى للأجور على مستوى الأسعار في أمريكا، وكانت النتيجة أن رفع الأجور بنسبة 10% يؤدي لزيادة في أسعار المواد الغذائية بنسبة لا تتجاوز 4%، أما مستوى الأسعار الكلي فلا يرتفع بأكثر من 0.4%. أي أنه مع وجود الزيادة في الأسعار، إلا أن المنفعة الكلية تفوق الضرر المترتب على الزيادة. 

كاريكاتير يعكس النظرة السائدة بأن رفع الأجور لا يفيد لأنه يرفع الأسعار


وطبعا قد يقول قائل بأن الشركات التي تجبرها الدولة برفع الحد الأدنى للأجور قد لا تفصل موظفيها صراحة، بل قد تقلل ساعات عملهم أو تقلل الصرف على الدورات التدريبية أو المزايا غير المادية، وهذا قد يصح في حالات إلا أن الدراسات الميدانية أظهرت أن لا دليل ملموس على انتشار مثل هذه السلوكيات بين الشركات. 

وختاما، يمكن أن يقول البعض بأن الدراسات التي ذكرت أعلاه قد يشوبها ما يشوب غيرها من علل، وربما أن ما ينطبق على أمريكا قد لا ينطبق على غيرها، وهذا قول معتبر، لكن ما وددت ايضاحه في هذا المقام هو خطأ التسليم بتنبؤات النماذج المبسطة جدا، وبناء القرارات عليها دون النظر في نماذج أخرى أحدث وأكثر محاكاة لواقع الناس وطبائع البشر وسلوك الشركات، ودون التحقق من البيانات الواقعية على الأرض. وهذا الحذر ينبغي الأخذ به عموما عند الحكم وابداء الرأي في معظم الظواهر الاقتصادية. 

مصادر:

Card, David and Alan Krueger. 1994. "Minimum Wages and Employment: A Case Study of the Fast-Food Industry in New Jersey and Pennsylvania." American Economic Review, vol. 48, no. 4, pp. 772-793. 

Doucouliagos, Hristos and T. D. Stanley. 2009. "Publication Selection Bias in Minimum-Wage Research? A Meta-Regression Analysis." British Journal of Industrial Relations, vol. 47, no. 2, pp. 406-428. 

Hirsch, Barry T., Bruce Kaufman, and Tetyana Zelenska, "Minimum Wage Channels of Adjustment." IZA Discussion Paper No. 6132. Germany: Institute for the Study of Labor. 

Lemos, Sara. 2008. "A Survey of the Effects of the Minimum Wage on Prices." Journal of Economic Surveys, vol. 22, no. 1, pp. 187-212. 

Wolfson, Paul and Dale Belman. Forthcoming. What Does the Minimum Wage Do? Kalamazoo, MI: Upjohn Institute for Employment Research. 


الاثنين، 10 مارس 2014

نصائح عامة للمقبلين على الدكتوراه في الاقتصاد

سألني بعض الإخوة عن قبول الدكتوراه في الاقتصاد أو التمويل من الجامعات الأمريكية، وما تتطلبه هذه البرامج عادة من خلفية في الرياضيات أو غيرها من العلوم، بالإضافة لأسئلة حول الاختبارات اللازمة ورسائل التزكية وما إلى ذلك. وقد سبق أن نشرت هذا الرد على موقع (مبتعث) وهأنا أنشره ثانية مع بعض الزيادة للفائدة. أذكر أني قبل بضع سنوات عندما كنت في طور التقديم لم أجد شيئا من هذه المعلومات باللغة العربية، وكنت أود لو أن أحدا أخبرني بما على توقعه في هذه البرامج، لذا أردت أن أختصر عليك الأمر.

بداية، هذه المعلومات تختص بالجامعات الخمسين الأوائل في أمريكا .. وليس لي دراية بغيرها من الجامعات متواضعة المستوى أو بجامعات خارج أمريكا. 

في معظم الجامعات الكبيرة يدرس الطالب في السنة الأولى المواد الأساسية، ثم يأخذ الامتحان التأهيلي (أو الشامل)، وعند اجتيازه يمضي السنة الثانية في مواد الحقل الدقيق، وبعدها يبدأ في طور البحث والكتابة.
هناك حقول أساسية في الاقتصاد، وهو تمثل عماد المواد للسنة الأولى في أغلب الجامعات وهي
اقتصاد كلي، اقتصاد جزئي، اقتصاد قياسي


ثم هناك مسارات دقيقة قد لا تجدها في كل الجامعات ولكنها شائعة وهي اقتصاد قوى عاملة، اقتصاد مالي، اقتصاد صحة، اقتصاد طاقة، اقتصاد تنظيمات صناعية، اقتصاد دولي، اقتصاد تنمية

أما عن أفضل الجامعات فستجد قائمة أفضل خمسين على هذا الرابط


طبعا لا يخفى عليك أخي الفاضل أن قوائم التصنيف كثيرة كل واحدة لها مقاييسها الخاصة.. وتصنيف أقسام الدراسات العليا في الاقتصاد يعتمد على غزارة الأبحاث المنشورة من الجامعات ومستوى المنافسة فيها.. وليس بالضرورة على مهارة الأساتذة في التدريس، فعليك احسان الاختيار حسب ميولك البحثي. 

الغالبية العظمى من أقسام الدراسات العليا في الاقتصاد في الجامعات المئة الأوائل لا يوجد فيها تخصص ماجستير مستقل, بل يلتحق الطالب مباشرة ببرنامج الدكتوراه بعد اتمام المرحلة الجامعية.. ولكن هناك بعض الاستثناءات مثل جامعة دوك  Dukeوجامعة فاندربلت Vanderbilt وأخريات حيث تعرض الجامعة بالإضافة لبرنامج الدكتوراه برنامجا متخصصا للماجيستير مدته سنتان والهدف منه اعداد الطالب لسوق العمل خارج النطاق الأكاديمي. 

ينبغي لدارس الاقتصاد تحسين مهارته في الرياضيات... الناس في السعودية والخليج تظن أن الاقتصاد تخصص نظري ولا يحتاج رياضيات.. ولكن بحكم تجربتي في دراسة الهندسة في الجامعة ثم ماجستير اقتصاد والآن الدكتوراه من أمريكا، أؤكد لك أن الرياضيات في تخصص الاقتصاد ستفاجئك بكثافتها وتعقيدها.

ثانيا، وبما أنك تسأل عن أقوى الجامعات، فلابد من التركيز على اختبار الجي أر إي GRE في مرحلة التقديم، إذ لا بد أن تطمح لعلامة تفوق 700 في القسم الكمي Quantitative من هذا الاختبار كحد أدنى، ويتحقق ذلك بالتدريب على الكتب المتخصصة والتي تباع في كل المكتبات. لكن لا تهتم كثيرا لدرجة اللغة Verbal Reasoning في الاختبار الجي آر إي إن كانت علامة التوفل جيدة.

عند التقديم في الجامعات الجيدة في أمريكا سيطلب منك كتابة رسالة قصيرة من صفحتين عن أهدافك Statement of Purpose توضح فيها اهتماماتك العامة في البحث. تذكر أن موضوعك الذي ستحدده هنا ليس ملزما ويمكنك تغييره فيما بعد، الهدف فقط معرفة المامك بالاتجاهات البحثية في حقلك. 

كما تطلب جامعات أخرى رسائل تزكية من مدرسين سابقين أو جهة عمل يوضحون فيها قدرتك على البحث، أو قدرتك على العمل المركز الطويل. 

عملية التقديم طويلة تستغرق حوالي 3 أشهر من التحضير لاختبار الجي آر إي وتعبئة النماذج والحصول على رسائل تزكية وكتابة رسالة الأهداف.. فخطط جيدا حتى لا تفوتك تواريخ التقديم في الجامعات.

غالبا لا بد من أخد الGRE مع نوفمبر أو بداية ديسمبر. وتنتهي فترات التقديم في الجامعات مع منتصف يناير وقد تطول إلى نهاية فبراير.. فتأكد من موقع جامعتك على الإنترنت.

معظم الجامعات تتيح التقديم عن طريق الموقع مباشرة مع تعليمات حول تحميل خطابات التزكية وما إلى ذلك. 

الاقتصاد في مرحلة الدكتوراه ليس تخصصا لكل أحد، بل لا بد له من اعداد وتهيئة، وهو في النهاية تخصص بحثي وقد لا يلبي طموحات الكل. فالكثير يظن أنه يريد دكتوراه في الاقتصاد بينما قد يكون الأفضل لطموحه العملي هو ماجستير إدارة أعمال MBA. كما أن راتب خريج الدكتوراه يكون أحيانا أقل من ماجستير مالية أو إدارة أعمال مع خبرة عملية، فوجب التنبيه على ذلك.

والآن لعلي أفتح عينيك على ما لا يذكرونه لك على مواقع الجامعات الرسمي. مرحلة الدكتوراه (خصوصا السنة الأولى) فيها الكثير من العناء. ساعات طويلة لحل المسائل وشك مستمر في المغزى من كل هذه النظريات التي قد تبدو لك أنها لا تمت للواقع بصلة. لا توجد أسئلة سهلة، لا توجد اختبارات سهلة، الأساتذة لا يكترثون كثيرا لشرح المواضيع بإسهاب كما اعتدت عليها في المرحلة الجامعية. الكل يفترض أن الطلاب تكفيهم بعض النقاط والوجيزة حول كل فصل، بعدها يمضي الأستاذ للفصل التالي. خلال بضعة أسابيع في القسم، ستكتشف أن الأساتذة قد مروا على مئات الصفحات في كل كتاب وأنت لم تستوعب بعد ما ذكر في أول أسبوع. عادي جدا، هذا يحصل مع كثير من الطلبة، المهم أن تظل متماسكا وفي صحبة زملائك لتستوضح منهم ما يشكل عليك فهمه. من السهل جدا الشعور باليأس في البداية لكن الأمور ستتحسن بمرور الوقت. إن كتب الله لك والتحقت ببرنامج دكتوراه مميز ستذكر كلامي هذا. 

لتكون فكرة أوضح عما ينتظرك في مرحلة الدكتوراه أنصحك بزيارة موقع
واطلع على عناوين الكتب المقترحة
هذه كتب لطلاب سنة أولى في التخصصات الرئيسية التي ذكرت لك.. انصحت بشراء شيء منها أو أخذها من مكتبة عامة لمعاينة ما أقول لك حقيقة

وختاما أقول لك.. الرياضيات ثم الرياضيات...

وهذه بعض المواد التى ينبغي لك الإلمام بها أو مراجعتها قبل الالتحاق بالدكتوراه.. ولا يكفي أن تكون قد أخذتها في مرحلة سابقة إن لم تكن تذكرها الآن، بل عليك بالمراجعة

Multivariable Calculus
Linear Algebra
Real Analysis
Probability and Statistics


هذا يمثل الحد أدني من الرياضيات المطلوبة

ويفضل أن تكون قد أخذت المواد التالية في الاقتصاد ووصلت إلى مستوى ثاني
Intermediate Microeconomics
Intermediate Macroeconomics
Econometrics



يعني أن تكون قد أخذت هذه المواد على مستوى الجامعة أو الماجستير. 

في مرحلة الدكتوراه سيتوقع الأستاذ أن هذه المواد صارت من البديهيات ولن يقف عندها البتة، بل سيمضي بسرعة البرق لمناقشة المواضيع الدقيقة، ويترك الباقي لك من خلال أسئلة الواجبات أو البحث.


أما إن لم يكن عندك هذا التأهيل فسيكون من الصعب عليك الدخول إلى أو النجاح في جامعة من الخمسين الأوائل. وإن كنت تحب الاقتصاد ولكنك لم تحصل على هذا التأهيل، فهناك برامج أصغر في أمريكا أو بريطانيا وقد تكون غير معروفة لكنها تفي بالغرض.