الاثنين، 19 أكتوبر 2015

السيارة الكهربائية في بلاد النفط

النرويج، ذلك البلد النفطي الملهم، والمتصالح مع دوره ومسؤوليته نحو تنمية مواطنيه والانتقال الهادئ بهم إلى المستقبل، دون تشنج أو تخوف من أي تقنية ممكن أن تقلل الاعتماد على نفطهم. بل على العكس، نجده يتبنى أشد الأنظمة للحد من نمو الطلب على النفط داخل حدوده واستغلال مصادر الطاقة المتجددة (والتي ينعم بوفرتها أيضا) كطاقة المياه لتعويض الفارق. 

ضريبة امتلاك السيارات التقليدية في النرويج تعد من بين الأعلى في العالم، فبالإضافة إلى ضريبة مبيعات مباشرة تبلغ 25% في قيمة السيارة، هناك أيضا ضريبة تسجيل (استمارة) تصل إلى 12000 دولار!! وقد يبدو هذا غريبا في بلد نفطي، على الأقل من وجهة نظرنا نحن، ولعلك ستفاجأ أكثر إن علمت كيف تسعى النرويج سعيا حثيثا لتسهيل امتلاك السيارات الكهربائية التي لا تعتمد على النفط ومشتقاته نهائيا مثل سيارة تسلا و نيسان ليف. 

كنسبة من اجمالي السيارات في النرويج، تعتبر نسبة امتلاك السيارات الكهربائية هناك الأعلى في العالم، حيث بلغت نسبة السيارات الكهربائية 22% من عدد السيارات المباعة في 2015. وإذا أراد المواطن النرويجي التخلص من الضرائب الهائلة على تملك السيارات، فما عليه سوى شراء سيارة كهربائية، ولن يضطر لدفع دولار (أو كورونا) واحدة كضرائب أو رسوم تسجيل. بل أفضل من هذا، سيكون معفي من كل رسوم مواقف السيارات ورسوم الطرق السريعة أو رسوم نقل سيارته فوق السفن والعبارات البحرية.

قرأت هذه الحقائق في تحقيق صحفي مفيد نشر في صحيفة نيويورك تايمز على هذا الرابط:


هناك عدة تعليقات حول هذه المعلومات: 
- دار نقاش مشوب بشيء من المزاح بين بعض الأصدقاء عن كيف ستشكل السيارات الكهربائية طامة كبرى على دولنا النفطية إن تم تبنيها بشكل واسع. سياسات النرويج في هذا المجال هي على النقيض تماما من نظرتنا القلقة تلك. فهي تسعى لتكون أول من يتبنى التقنية الجديدة دون الهرب والتخوف.
- صحيح أن النرويج تملك وفرة في الطاقة المائية مما يضمن لها توليد كهرباء رخيص، ويخفض الأثر البيئي الكلي للسيارات الكهربائية، ولكن هذا لا يعفي دولنا في الخليج من محاولة استثمار مصادر طاقة متجددة مثل الطاقة الشمسية، والعمل على تقليل تكاليفها
- الحوافز المالية والاقتصادية هي أهم ما يشكل سلوك المستهلك، وهذا ما نراه في التجربة النرويجية من خلال الضرائب العالية على السيارات التقليدية، والإعفاءات الضريبية على السيارات الكهربائية
- صحيح أن النفط هو مصدر دخلنا الأساسي، ولكن هذا يمثل حافزا إضافيا لتقليل الهدر والاستهلاك الداخلي المسرف، وليس العكس.

بقي أن أقول: هذا المقال القصير ليس دعاية للسيارات الكهربائية، ولست أنادي بأن علينا تبينها الآن. هو مجرد تسليط ضوء على دولة نفطية اختارت المضي بشراسة في اتجاه يخالف المفهوم السائد في البلاد النفطية الأخرى دون تردد أو تحفظ، وراهنت على التقدم التقني وأعدت نفسها ومواطنيها لذلك، وهذا في حد ذاته مثير للإعجاب. 

الاثنين، 31 أغسطس 2015

الاقتراض مقابل استنزاف الاحتياطي.. أيهما الأجدى؟

لماذا نلجأ للاقتراض الداخلي عبر إصدار سندات حكومية ونحن نملك احتياطيا كبيرا من النقد الأجنبي؟

عندما أعلنت المملكة عن إصدار سندات حكومية (ديون) لعدد من المؤسسات السيادية العامة والبنوك المحلية، كانت هناك عدة تساؤلات عما إذا كان هذا الإجراء (الاقتراض من الداخل) أفضل وأجدى من استمرار السحب من الاحتياطي النقدي بالعملة الأجنبية وحده. محور التحفظ على سياسة الاقتراض هي: لماذا نقترض الآن ونضطر إلى سداد الدين مستقبلا مع فوائده، ونحن لدينا احتياطي ممكن أن نسحب منه بدون فوائد؟ 

بداية، الاقتراض ليس مرغوبا في حد ذاته، لكن هناك حالات تلجأ فيها الحكومات للاقتراض لسداد عجز في الميزانية لأي سبب من الأسباب، سواء كان عارضا قصير المدى أو طويل المدى. 

كما ينبغي أن ندرك أن القرارات التي تتخذها الحكومات الآن فيما يتعلق بالسياسة النقدية أو السياسة المالية حتما ستؤثر على الخيارات المتاحة أمامها في المستقبل، أي أن كل قرار الآن له تبعات في المستقبل، وعلى هذا ينبني الجواب على التساؤل أعلاه. 

لماذا تحرص الدول على الحفاظ على كمية جيدة من الاحتياطي الأجنبي؟ 

الاحتياطي الأجنبي له دور فعال في مجالات لا تستطيع الديون وحدها التعويض عنها. من ذلك أنه:
  • وسيلة لسداد المستحقات الدولية من فواتير الواردات وخدمة الديون السيادية والتجارية، سواء استخدم الاحتياطي الأجنبي مباشرة، أو تم تسييل بعض الاستثمارات في سندات الخزانة الأمريكية للحصول على النقد.
  • وسيلة لتأكيد الثقة في ثبات العملة المحلية وسعر صرفها عالميا، وتقليل احتمال هجمات المضاربين على العملة، والتدخل السريع في أسواق العملات في حال التذبذب في سعر الصرف بشكل كبير
  • وسيلة لامتصاص الصدمات الاقتصادية والمالية التي قد تفاجئ الحكومة (Buffer)
طبعا، هناك حكومات تلجأ للاحتياطي لتمويل عجز الميزانية أو لتمويل مشاريع وبرامج حكومية معينة، ولا يوجد ما يمنعها من ذلك، لكن أردت فقط توضيح أن الدور الأساسي للاحتياطي الأجنبي يتجاوز مجرد تمويل العجز، بل له مزايا معينة لا يمكن لوسيلة تمويل أخرى القيام بها.

والآن نناقش الاقتراض وبيع السندات الحكومية:

  • إصدار السندات (الاقتراض) الآن بينما الاحتياطي الإجمالي (من ودائع واحتياطي حكومي أو ودائع أخرى) لازال كبيرا يعني أن سعر الفائدة على القروض ستكون قليلة، بعكس لو استنزفنا الاحتياطي أولا ثم اتجهنا إلى سوق الإقراض ونحن لا نملك الضمانات الكافية على سلامة الاقتصاد، فستكون تكلفة الاقتراض عندها عالية جدا. 
  • ثقة السوق في موقف الحكومة المالي (بسبب الاحتياطي الكبير) يجعل في مقدورها إصدار سندات الدين بالعملة المحلية (الريال مثلا)، لأن الثقة في ثبات الريال مرتبطة بالاحتياطي
    • اصدار الدين بالريال له فوائد، أهمها أن الحكومة ستتمكن دائما من السداد، حتى لو تآكلت القدرة الشرائية للريال في المستقبل.
    • لو اهتزت الثقة في قيمة الريال بسبب استنزاف الاحتياطي، فلن يقبل به الدائنون، وستضطر الحكومة لإصدار سندات دين بالعملة الأجنبية، مما لا يتيح للحكومة المرونة في كيفية سداد الدين مستقبلا
  •  إصدار السندات هي وسيلة من وسائل السياسة النقدية، حيث تتيح السندات القدرة على سحب سيولة من السوق والبنوك إن أرادت الحكومة ذلك حسب سياستها. طبعا سحب السيولة من الاقتصاد فيه مزاحمة لباقي المقترضين من مواطنين وشركات، وهذا يرفع سعر الفائدة على الجميع، وقد لا يكون في مصلحة البلد إن كان الهدف تحفيز الاقتصاد.
  • بيع السندات هي طريقة لزيادة دخل الحكومة وفي نفس الوقت توفير عائد استثماري لمن يحملون هذه السندات. وبهذا تكون وسيلة جيدة لتسعير الديون المختلفة في البلد، بما فيها ديون الشركات عن طريق توفير أسعار فائدة معيارية (benchmark)

ختاما

إصدار الديون ليس حلا مثاليا، لكن توقيت إصدارها الآن أفضل من استنزاف الاحتياطي بالكامل ومن ثم اللجوء للاقتراض، للأسباب المذكورة أعلاه. 
 بالطبع، لا تستطيع أي حكومة الاستمرار في إصدار الديون بشكل دائم، حيث لابد من سداد هذه الديون من فوائدها في وقت ما. اللهم إلا في حالة واحدة، وهي أن يستمر النمو الاقتصادي بوتيرة أسرع من معدل الفائدة للأبد، مما يسمح للاقتصاد بامتصاص المزيد من سندات الدين، وهذا شبه محال. 
خيار الديون هو خيار يعتمد على توجه الحكومة ونظرتها للمستقبل، وقد يعني أن أولويات التنمية الآن تفوق في أهميتها حمل تسديد الديون مستقبلا، أو أن تكون نظرة الحكومة متفائلة حيال مستقبل النمو وقدرة الأجيال القادمة على سداد ديون اليوم إن تم توفير عوامل النمو من بنية تحتية ومشاريع تنمية وتعليم. وأخيرا، عامل التوقيت في إصدار الديون مهم جدا في لنجاحه في سداد عجز الميزانية المؤقت بأقل التكاليف.


===============
نظرية التساوي الريكاردية:
يقول الاقتصادي ديفيد ريكاردو بأن الناس يدركون بأن الحكومة التي تقترض الآن لتمول بعض المشاريع أو الصرف الحكومي، لا بد لها في المستقبل من أحد خيارين: إما أن تضطر لتخفيض النفقات بشكل كبير، أو ترفع الضرائب بشكل كبير لتتمكن من سداد ديون اليوم. وبما أن الناس ليسو أغبياء، فسيدركون هذا الأمر ويحسبون حسابه، ولن يتغير نمط استهلاكهم، سواء اقترضت الحكومة أم لم تقترض. 

الجمعة، 28 أغسطس 2015

تعليق الاقتصادي بول كولير حول الديمقراطية والتنمية

أثناء محاضرة في جامعة لندن للاقتصاد حول التنمية الاقتصادية في الدول الفقيرة والنامية، وجهت إحدى الحاضرات سؤالها للاقتصادي البريطاني (السير) بول كولير عما إذا كان تبني الديمقراطية شرطا لازما للتطور والنمو الاقتصادي في الدول النامية، وكان السؤال كما يبدو من صياغته من باب تأكيد المعلوم للحاضرين، والتغني بالديمقراطية الغربية كحل لمشاكل النمو في الدول البائسة على اختلاف خلفياتها وتركيبة سكانها. ولكن كان رد البروفيسور كولير صارما ومفاجئا للحضور: بالطبع لا!

ثم استطرد كولير قائلا: 
"دأب الغرب على التسويق للديمقراطية الحزبية والانتخابات على أنها القمة السامقة والطريقة المثلى لوصول الحكومات الرشيدة والشرعية  للسلطة. إلا أن هذه الآلية تؤدي إلى نتائج كارثية في المجتمعات المقسمة ابتداءا (قبليا أو عرقيا أو طائفيا أو ...). فالديمقراطية الحزبية في هكذا مجتمعات لن تزيدها إلا انقساما وفرقة، حيث تشكل كل مجموعة عرقية أو طائفية حزبا خاصا بها، وتتنافس مع المجموعات الأخرى على أساس هذه الهويات المحددة سلفا، فتتحول السردية السياسية إلى سردية قائمة على القمع الفكري وشيطنة الطرف المنافس، مما يعمق الفرقة والخلاف ويمزق الدولة. إن ما تحتاج إليه هذه المجتمعات في الحقيقة هو الهوية المشتركة، والهوية المشتركة حتما لن تخرج من رحم ديمقراطية حزبية قائمة على القمع الفكري. 

بالاضافة إلى ذلك، فإن الانتخابات في الديمقراطيات الحزبية، حتى هنا في الغرب، لا تنتج حكومات ذات شرعية مؤهلة للحكم. الوحيدون الذين يعتقدون بهذا الادعاء هم الفائزون في الانتخابات، والممولون لهم. في اعتقادي، الشرعية لا بد أن تكتسب على المدى الطويل من خلال الأداء والنتائج الملموسة التي يشعر بها المواطن العادي. "

الخميس، 5 مارس 2015

رأس المال في القرن الحادي والعشرين ونظرة على الحالة السعودية

قراءة في كتاب رأس المال في القرن الحادي والعشرين 

(وتعليقات جانبية حول السعودية)

توما (توماس) بيكيتي

هذا الكتاب الضخم والذي نشر بالفرنسية أولا عام 2013 ثم بالإنجليزية ولغات أخرى العام الماضي قال عنه كبار الاقتصاديين مثل كروغمان ولاري سمرز وغيرهم بأنه قد يكون أهم كتاب اقتصادي نشر خلال العقد الماضي، إن لم يكن الأهم في آخر خمس وعشرين سنة. الكتاب أثار ضجة في أوساط الاقتصاديين، ما لبثت أن امتدت آثارها لشرائح أوسع من القراء والهتمين، ونشرت مئات المقالات مناقشة ومحللة لأبرز ما جاء في الكتاب. ولا يزال أهل الاختصاص منقسمين بين مؤيد ومعارض ومتحفظ على نظرية هذا الاقتصادي الفرنسي الذي صعد للنجومية، توما بيكيتي.

خلاصة الكتاب:

تكدس الثروات في أيدي القلة بات ظاهرة عالمية يزداد تفاقمها مع الوقت، وتنذر بنتائج وخيمة إن لم يتم تداركها.

بالنسبة للكاتب، فإن تناقض الرأسمالية الأساسي هو أن العائد على رأس المال (يرمز له بالحرف r) دائما يفوق معدل النمو الاقتصادي العام (g)
ويلخصها بالعلاقة: r > g

هذه الحقيقة كانت جلية للعيان في القرنين الثامن والتاسع عشر مع سيادة طبقة الإقطاعيين والطبقات المخملية، حيث كان يكفي أن يرث أحدهم من أسرته أو تتزوج احداهن بأحد أصحاب الأملاك، ثم تنتفي الحاجة للعمل بعد ذلك، حيث تكفي عوائد الأصول الثابتة (من إجارت ومكوس وغيرها) للصرف والإنفاق ببذخ، بينما تكاد تنعدم حظوظ من ولد ضمن طبقة المزارعين أو العمال في الثراء أو الصعود الاجتماعي، بل يغلب على حاله أن يولد فقيرا ويموت فقيرا. حقيقة رأس المال هذه التي يقررها بيكيتي توارت وانحسرت بعض الشيء في أوروبا لأسباب تاريخية بدأت مع الثورة الفرنسية وانتهت بالكساد العظيم في نهاية عشرينات القرن الماضي وما تبعها من الحروب العالمية. ولكن ظاهرة ازدياد الأثرياء ثراء والفقراء فقرا بدأت تطل برأسها من جديد وبتسارع مقلق مؤخرا.

الهزات العنيفة التي أحدثتها الحربين العالميتين وما أسفر عنها من تدمير ومن ثم إعادة توزيع لرأس المال المتراكم أوهم الكثير بأن آفة الرأسمالية قد تم التغلب عليها، وأن تراكم الثروات في أيدي القلة على حساب الأكثرية قد ولى دون رجعة، حيث أعادت الحروب والدمار الكثير من سكان أوروبا للمربع الأول، وبدا ممكنا لأفواج الفقراء أن يلتحقوا بالعمل الصناعي أو الحكومي والحصول على جزء من كعكة الرأسمالية على شكل امتلاك منزل أو شقة وسيارة أو مزرعة صغيرة، أو حتى الوصول للثراء إن تضافر العمل الدؤوب مع التعليم وشيء من التوفيق، ولم يعد شرطا أن يولد المرء في أسرة مخملية ثرية ليحقق أحلامه في الثراء والصعود في طبقات المجتمع. كانت حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى منتصف السبعينات في أوروبا وفرنسا تحديدا تسمى بالثلاثين العظيمة أو الرائعة Les Trente Glorieuses نظرا للنمو الاقتصادي القوي حينها والذي بلغ في المتوسط 5% سنويا في أوروبا ولإحساس الناس بزوال عصر الطبقية والأرستقراطية.
في الواقع لم تكن تلك الفترة سوى الاستثناء، وسرعان ما عادت قوى الرأسمالية تعصف من جديد وأفرزت معها طبقية رأسمالية بأسماء مختلفة، وهي حقيقة باتت تتضح معالمها أكثر منذ الثمانينات وحتى الآن. كل الدلائل تشير إلى أن معدل النمو الاقتصادي العام في الدول الغنية (وأوروبا تحديدا) لن يتجاوز 1% إلى 1,5% في أحسن الأحوال خلال القرن القادم، وهذه النتيجة سبق أن أشار إليها أكثر من اقتصادي في السابق، أبرزهم الاقتصادي الإنجليزي ستيفن كنج في كتاب When the Money Runs Out. أسباب ذلك عديدة من بينها التباطؤ السكاني الكبير في هذه الدول وأسباب أخرى ليس هذا مجال سردها، كما أن جزءا من النمو السريع في حقبة (الثلاثين الرائعة) كان نتيجة لعملية اعمار ما بعد الحرب والإنفاق الحكومي الكبير على البرامج الاجتماعية، فهو نمو استثنائي خلقته ظروف يصعب تكرارها في المستقبل.
التباطؤ الاقتصادي المتوقع مستقبلا سيزيد من تفاقم الخلل في العلاقة r > g مما يعني المزيد من اللامساواة في توزيع الثروة بين القلة ذات النفوذ والأغلبية التي تعيش الكفاف.
العائد العالمي على رأس المال يستأنف مساره التصاعدي (أحمر غامق) بينما ينخفض معدل نمو الاقتصاد العالمي (الفاتح) وتزداد الفجوة

قوى الرأسمالية تسير حثيثا نحو تعميق فوارق الدخل والثروة بين الطبقات

الرسالة القاتمة في الكتاب هي كما أسلفت أن التحسن النسبي في مؤشرات اللامساواة الذي شهده العالم منذ خمسينات القرن الماضي وحتى منتصف السبعينات لم يكن سوى حالة عابرة كونتها ظروف الحربين العالميتين وما خلفته من دمار أصاب الكثير من الثروات وأعاد توزيعها بين الطبقات. إلا أن تلك كانت حالة شاذة لها ظروفها، وسرعان ما استعادت قوى الرأسمالية الطاغية عافيتها ونحن الآن مقبلون على مرحلة تزداد معها فوارق الثروات بين طبقات المجتمعات كافة، وقد تستمر حتى تضج الجموع المغلوبة ويدخل العالم في موجات عنف واضطرابات تستمر أجيالا حتى تعود الأمور إلى نصابها. 

ومما يزيد الطين بلة هو أن التضخم في أسعار السلع الذي هو آفة الاقتصاد الحديث لا يؤثر كثيرا على المتحكمين في رأس المال، بل يكاد يتركز ضرره ضمن الطبقات المتوسطة والفقيرة التي لا تملك إلا رواتبها، فتتآكل مدخراتها وتضعف قوتها الشرائية، بينما يكتفي صاحب رأس المال بزيادة الأسعار أو الإيجارات على المستهلك. وهذا يعني ازدياد أهمية الثروات المتراكمة والتي تتوارثها الأسر الغنية، بينما سينحسر دور الإنجاز الشخصي في تشكيل الثروة، وهذا يُضعف رابط العقد الاجتماعي في الدول، وينسف الوعود البراقة بأن لكل مجتهد نصيب من كعكة الثروة. 

تركيبة طبقة أغنى 1% في المجتمع أو حتى ال 0,1% طرأ عليها بعض التغيير، فبعد أن كان جلها من أصحاب الأملاك من الإقطاعيين في القرنين الثامن والتاسع عشر، أصحبت الآن مزيجا بين أصحاب الأملاك وبين كبار المدراء التنفيذيين بالإضافة لبعض نجوم السينما والفن والرياضة، حيث لم يعد مستغربا أن يحصل كبار مسؤولي الشركات على رواتب وحوافز بعشرات الملايين في العام الواحد دون أن يجد حملة الأسهم حرجا في ذلك. في رأي الكاتب، فإن العقلية الجمعية في المجتمعات الحديثة صارت أكثر تقبلا وتعاطفا مع الأثرياء من هذا النوع مقارنة بالصورة النمطية بالثري الوارث الذي ولد "وفي فمه ملعقة من ذهب"، حيت تروج وسائل الإعلام وكتب الإدارة لقصص نجاح هؤلاء المدراء لإضفاء نوع من الشرعية على رواتبهم الهائلة، ولتحاول اقناع الناس بأن هذه الثروات قد استحقها هؤلاء فعلا نتيجة جدارتهم ومهارتهم في إدارة الشركات. في الواقع، فإن كل من له اطلاع على واقع سير الأعمال يدرك أن هذه النظرة فيها الكثير من المثالية والسطحية، فليس من المعقول أن انتاجية المدير التنفيذي في شركة كبرى تفوق بمئة ضعف انتاجية المهندس في إدارة تطوير المنتجات مثلا، ولكن الواقع الفارق بين راتبيهما قد يوحي بذلك.
نصيب أغنى 10% من السكان في مجموع ثروة البلاد في أمريكا، تكدس الثروة في يد القلة واضح منذ منتصف الثمانينات

المال يولد المال

ولكن، ألا يستطيع أي انسان أن يحصل على جزء من العائد المرتفع على رأس المال (r) عن طريق مشاركته المباشرة في أسواق الأسهم والأصول المالية مثلا، حتى وإن كان يعتاش على راتبه؟ هنا يوضح الكاتب بأن المحافظ المالية قليلة رأس المال تكون عرضة لهزات السوق الدائمة واحتمال خسارتها كبير، خصوصا إذا حسبنا تكلفة إدارتها ورسوم عمليات البيع والشراء وغيرها. في المقابل، فإن المحافظ الاستثمارية الكبيرة (عشرات الملايين وأكثر) تُدر عائدا أفضل بكثير من متوسط السوق، حيث يُمَكّنها حجم أصولها الضخم من تنويع الأدوات الاستثمارية وتقليل المخاطر بشكل كبير، كما أن المحافظ المليونية أو المليارية قادرة على تعيين أفضل المدراء الماليين والحصول على معلومات سريعة ودقيقة غير متوفرة لصغار المستثمرين. الكاتب هنا يعرض مقارنة لأداء أوقاف الجامعات الكبرى في أمريكا، والتي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، بالإضافة لأداء الصناديق السيادية للنرويج وأبوظبي، حيث تحقق هذه الأوقاف والصناديق عوائد بين 6 إلى 10% سنويا، أي أعلى بكثير من عوائد أي مؤشر مستقل بعينه، وحتما أعلى من النمو الاقتصادي العام. والخلاصة هي أن أصحاب الثروة الكبيرة ابتداء أقدر على تنميتها من غيرهم، مما يخلق حائلا بين الطبقات الثرية وبين الطامحين من أهل الطبقات الدنيا.
العائد على استثمارات أوقاف الجامعات الغنية في أمريكا (يزداد العائد مع زيادة حجم الأصول)

دور الضرائب في تقليص الفجوة:

يتسلسل الكاتب في بناء وجهة نظره حتى يصل لمقترح قد يحد من آفات الرأسمالية وسيلها الهادر الذي يكدس الثروات في أيدي القلة بنسب متسارعة. الحل يتمحور حول فرض ضرائب متصاعدة على الطبقات الثرية، ويفضَّل أن تكون هذه الضريبة عالمية، يعنى أن صاحب الثروة لن يستطيع الهرب بأمواله واستثماراته لبد آمن ضريبيا كجزر الكاريبي مثلا، بل إن الضريبة المقترحة لابد من تنسيق تحصيلها عالميا بين الدول. الجيد في هذا المقترح هو أن نسبة الضريبة (إن تم فرضها بصرامة) قد لا تزيد على 1% على مجموع الثروات (بالإضافة لضريبة الدخل المعمول بها أصلا في كل بلد على حدة). فباستثناء ضريبة العقارات، تكاد لا توجد ضرائب تذكر حاليا على أشكال الثروات المتراكمة سواء أرصدة بنوك أو أصول شركات وأسهم أو صناديق عائلية. نسبة ضريبة على الثروات المتراكمة كالتي يقترحها الكاتب -وهي أقل من نسبة زكاة المال في الإسلام- كفيلة من وجهة نظره بإعادة التوازن وتحقيق شيء من العدالة في توزيع الثروات. أما الجانب الصعب في هذا المقترح هو أن حلا كهذا يتطلب اجماعا أمميا عالميا، وهو أمر صعب من وجهين، الأول ضعف الثقة بين الدول غنيها وفقيرها وشبه استحالة إجماعهم على قرار كهذا، والأمر الثاني هو أن قوى المال الخفية التي تُسيِّر اللعبة في الظل لديها من المصالح والنفوذ ما يجعل أي قرار يمس بها صعب المنال إن لم يكن مستحيلا ما لم يجد العالم وسيلة لتفكيك نفوذ أرباب المال المتغلغل في مفاصل اللاقتصاد العالمي.

ماذا عن دور التعليم في الترقي المجتمعي والمالي للأفراد؟

الحل لخلل توزيع الثروة لا ينحصر فقط في نظام الضرائب أو فرض الحد الأدنى للأجور، لكن لب السألة ترتكز على التعليم ورفع مستوى أفراد الشعب كافة، وتمكين أبناء الطبقات الدنيا من تضييق فجوة الدخل من خلال منافسة الشريفة في مجال التعليم والمهارة. ولكن هل ميدان المنافسة من خلال التعليم والتأهيل في منأى عن الطبقية هو الآخر؟  الآفة هي أن مجال التعليم يعاني أيضا من آثار استئثار القلة بالثروة، حيث أن نظام التعليم الممتاز ليس متاحا للكل، بل يكاد يكون محصورا لأصحاب الدخل العالي. فالمدارس الخاصة غالية الثمن والجامعات الراقية في العالم (هارفارد، ييل، برينستون...) معظم طلابها ينتمون لشريحة أغنى 2% من السكان البلد كمتوسط، بينما لا تكاد ترى بينهم أبناء أصحاب الدخل المنخفض في الغالب، هذا إن تمكنوا من الحصول على تعليم عام جيد في المدارس الحكومية ابتداء. هذه الفوارق في جودة التأهيل العلمي بالإضافة إلى ما توفره الجامعات الراقية من صلات وعلاقات مع صناع القرار مقارنة بمدارس وجامعات الطبقات المتواضعة، تكرس على المدى البعيد هذا التمايز بين الطبقات وتعمق الفجوة بين أصحاب الثروات وغيرهم.

الحلول المقترحة في الكتاب:

رغم المصاعب، فإن الكاتب ينادي بالاستثمار في التعليم وفي التقنيات المنسجمة مع البيئة، مع فرض ضريبة بسيطة لكن تصاعدية على إجمالي رأس المال في العالم، وليس عائد رأس المال وحسب. ضريبة كهذه في حدود 0,5% أو أقل لن تؤثر على سير الأعمال ولكنها ستُفرض على قاعدة مالية كبيرة ويعاد توزيعها على طبقات المجتمع من خلال برامج حكومية مفيدة.
وهنا ينادي الكاتب بأن الديمقراطية السياسية هي الحل الوحيد الذي يملك إنقاذ العالم، ويدعو إلى وحدة أوروبية حول الضريبة وسياسات الإنفاق والمال حيث تصبح أوروبا كأنها مجموعة ولايات كالولايات المتحدة الأمريكية، تدير أمورها المحلية بنفسها، لكن تحكمها سياسات فيديرالية عُليا لا تحيد عنها. اقتراح الكاتب يدعو بالضرورة إلى شيء مماثل على مستوى العالم في شكل حكومة عالمية مع نفوذ لفرض الضرائب والمكوس الملاحقة القضائية وتدقيق الحسابات.


  • كمية البيانات التاريخية هائلة، والكتاب قد يبدو جافا بسبب كثرة الرسومات البيانية، ولكن الكاتب حرص على أن لا يتجاوز ما هو ضروري لعرض فكرته. الكاتب وفريق بحثه أمضوا قرابة عشر سنوات من التدقيق في وثائق الضريبة الأوروبية والفرنسية خصيصا ليرسموا تصورا واضحا حول مسار تكدس الثروات وتوزيعها بين الطبقات. 
  • الكتاب يحوي جهدا بحثيا رائعا، والنتائج التي يعرضها قد تصل بالمؤلف لنيل جائزة نوبل في مجاله مستقبلا.
  • أهمية الكتاب تكمن في إعادة تسليطه الضوء على موضوع اللامساواة وسوء توزيع الثروات في العالم وضمن المجتمعات. قد يبدو هذا الموضوع حاضرا في أذهان الكثير، لكن الكتابات المتخصصة الاقتصادية قد تناست أو أغفلت هذا الجانب على مدى العقود الماضية، حيث ما فتئ الاقتصاديون بترديد أن مسألة توزيع الكعكة والحكم على (عدالة) توزيع معين دون غيره هي خارج اختصاصات الاقتصاد لأنها داخلة ضمن الأسئلة الأخلاقية وأحكام والصواب والخطأ، ولا تنسجم مع "الحياد العلمي" للاقتصاد كعلم تجريبي. بيكيتي بكتابه هذا أعاد هذا السؤال إلى مركز الاهتمام، خصوصا وأن البيانات الهائلة التي جمعها غير قابلة للأنكار وتؤكد على وجود خلل ما. بيكيتي يذهب لأبعد من هذا بتقرير أن هذا الخلل يؤدي بالضرورة لمشاكل اقتصادية عامة، يتعدى ضررها مجرد الجدل الأخلاقي. 

الاثنين، 19 مايو 2014

أثر رفع الحد الأدنى للأجور على مستوى البطالة.. إعادة نظر

دار مؤخرا نقاش على تويتر حول أثر رفع الحد الأدنى للأجور في بلد ما على معدلات البطالة. الرأي الذي تبناه صديقي هو أن النتيجة لرفع الحد الأدنى للأجور سيؤدي (غالبا) لزيادة البطالة بين العاملين الأقل مهارة. صديقي يرى أن هناك شبه إجماع بين الاقتصاديين على حتمية هذه النتيجة، أي أن المسألة محسومة وبديهية. لكن هل القول بحتمية هذه النتيجة صحيح سواء نظريا أو من خلال الأرقام على أرض الواقع؟

في البدء يجب أن لا نغفل أن الظواهر الاقتصادية هي فرع من الظواهر الاجتماعية وبالتالي تتخللها عوامل كثيرة لا تسهل الاحاطة بها عن طريق النماذج الرياضية المبسطة.. مما يعني أن ما تتنبأ به النماذج نادرا ما يوافق الواقع تماما، بل حتى قد يخالفه في الاتجاه أحيانا، خصوصا إن كانت النماذج مغرقة في المثالية والبساطة. 

والآن لنرجع للسؤال: هل زيادة الحد الأدنى للأجور تؤدي (حتما أو غالبا) لزيادة نسبة البطالة؟ 

الذين يجيبون بنعم، هم غالبا يستندون الى نموذج منطقي لكنه مبسط جدا. النموذج المنطقي المذكور يفترض بأن سوق العمل هو سوق تنافسي بحت، وهذا السوق له نقطة توازن تتساوى عندها كمية المعروض من الأيدي العاملة مع ما تطلبه الشركات والمؤسسات، وأن الكل في هذا السوق التنافسي يتصرف بأقصى درجات الكفاءة وبالتالي ويحصل العامل على أجر يساوي تماما قيمة عمله، فلا أحد في هذا السوق المثالي يأخذ أكثر من حقه ولو بهللة، وأرباح الشركات تساوي صفرا، حيث أن القيمة التى تخلقها عوامل الانتاج من موظفين ومعدات تساوي تماما ما تصرفه الشركة من رواتب لهؤلاء الموظفين وتكلفة المعدات. في هذا العالم المثالي، فإن المنطق يحتم أن أي زيادة للحد الأدنى من الأجور فوق نقطة التوازن سيؤدي لخلل، فإذا كانت مقدرة العامل الانتاجية تساوي 10 ريال وأجبرت الدولة المؤسسة أن تدفع له 15 ريال، فإن المؤسسة التنافسية لن تملك إلا أن تتخلى عنه، وإلا خسرت المال. 

 النموذج المبسط يبين الأثر السلبي لرفع الحد الأدنى للأجور على سوق العمل


هذا الرأي ليس جديدا، بل طرحه الاقتصاديون منذ الستينات والسبعينات الميلادية، لكن ولحسن الحظ، فإن الدراسات حول هذا الموضوع والأساليب الاقتصادية والإحصائية منذ ذلك الحين تطورت بشكل كبير وصارت الأبحاث بالمئات.

ظلت النظرة السائدة هي أن زيادة الحد الأدنى للأجور لها أثر سلبي على سوق العمل، حتى جاءت أبرز الدراسات التى خالفت النتيجة المنطقية المبسطة أعلاه هي دراسة Card and Kruger 1994 والتي اعتمدت على ما يعرف بالتجربة الطبيعية لقرار حصل في ولاية نيوجيرسي لرفع الحد الأدنى للأجور ومقارنة النتائج مع ولاية مجاورة تتشابه خصائصها الاقتصادية ولكن لم يطلها القرار نفسه، وتم مسح عينة تفوق 400 مطعم للوجبات السريعة معظم العاملين فيه ممن يتقاضون الحد الأدنى للأجور، واستخلصت الدراسة أنه لا يوجد أثر واضح لارتفاع نسبة البطالة بين هؤلاء نتيجة قرار رفع أجورهم. هذه الدراسة أحدثت هزة في أوساط الاقتصاديين ,وأثارت جدلا خصوصا بين من كانوا يسلمون بأن أي تدخل كهذا في آليات السوق سيكون أثره سلبيا بلا جدال. 

الدراسات توالت بعد ذلك، كل يخرج بنتيجة بين مؤيد ومعارض، ولكن بدا ظاهرا للكل أنه لا توجد نتيجة حاسمة تقول قطعا بأن رفع الحد الأدنى للأجور يؤدي لزيادة البطالة، أو أن هذا الإجراء يؤثر سلباً على الاقتصاد كما يشيع المتطرفون من أنصار حرية السوق. ومنذ عام 2000 تقريبا صارت معظم الدراسات في هذا المجال تبحث عن تعليلات وتأويلات لحقيقة أن البيانات لا تدل على الأثر السلبي الذي يتنبأ به النموذج المبسط، وتقترح قنوات اقتصادية وسلوكية تفسر هذا الاختلاف بين النظرية الواقع. 

الإحاطة بنتائج هذا الدراسات وتلخيصها ليس بالأمر الهين نظرا لاختلاف ظروف كل دراسة من حيث المكان أو المدة الزمنية أو طبيعة البيانات المتوفرة. هناك ما يعرف بال meta analysis وهي دراسات احصائية دورها تلخيص مجموعة كبيرة من الدراسات المتفرقة، وتلجأ لأساليب رياضية دقيقة لتستخلص نتيجة دراسات مختلفة الأساليب. احدى هذه الدراسات التلخيصية كانت ل Doucouliagos and Stanley 2008 وجمعت بين 64 دراسة مستقلة حول أثر رفع الحد الأدنى للأجور في أمريكا على البطالة في بين العمال منخفضي المهارة من مراهقين وطبقات فقيرة. النتيجة كانت أن الأثر، إما لا وجود له، أو أنه قد يكون سلبيا في أحيان معدودة ولكن بنسبة ضئيلة يمكن تجاهلها احصائيا. وهي نفس النتيجة التي وصل إليها 2000 Paul Wolfson and Dale Belman في دراسة أخرى تلخص 27 بحثا مستقلا حول نفس السؤال.

معظم التوقعات الدقيقة تتركز عند الصفر، أي أن الأثر لا يذكر
إذا كيف يمكن الجمع بين النظرية المبسطة أعلاه وما وجده الباحثون على أرض الواقع؟ بداية لابد من التذكير بأن النموذج المبسط لم يعد هو المقياس الوحيد لفهم اقتصاديات سوق العمل، فقد تطورت النظريات والأساليب وصار السائد اعتماد نظريات تراعي أن الموظف يمكن تحفيزه عن طريق رفع راتبه والاستفادة من زيادة انتاجيته ، بالإضافة لنظريات تقول أن رفع الرواتب يساهم في استقرار الموظف والشركة ويجعل الموظف أكثر حرصا على تطوير نفسه وتحسين كفاءته، وفي الوقت نفسه يقلل التسرب (الاستقالات) من الشركة مما يوفر على الشركة تكاليف البحث عن موظف بديل وتدريبه وكسب ولائه، أي أن من مصلحة الشركة أحيانا رفع الرواتب فوق نقطة التوازن الافتراضية في النموذج المبسط أعلاه- كما في نموذج Shapiro-Stiglitz، وهي بهذا تعظم أرباحها وتنفع الاقتصاد ككل. وهذا أمر نراه عيانا في الشركات الكبرى في السعودية مثلا، خصوصا عند أولئك الذين يعملون في المهن اليدوية الشاقة.

كما قامت دراسات توضح الأثر الإيجابي لرفع الحد الأدنى للأجور وذلك بأن يتحسن استهلاك الطبقة الفقيرة للسلع والخدمات، وهذا ما تفطن له هينري فورد في قبل مئة عام عندما رفع أجور عمال مصانعه إلى الضعف من دولارين ونصف إلى خمسة دولارات، فعزز ولاء موظفيه وخلق طبقة وسطى قادرة على شراء سياراته آنذاك، فارتفعت أرباحه ككل رغم مضاعفته الصرف على الأجور. كما تبين الدراسات أن الشركات تسعى غالبا لرفع كفاءة موظفيها لتتناسب مع رواتبهم الجديدة، فتحرص على تطويرهم أو تطور أساليب العمل في الشركة لتزيد الإنتاجية وبالتالي لا تتأثر كثيرا بعبء زيادة أجور موظفيها. 

أما عن السؤال الذي يتكرر بأن رفع الحد الأدنى للأجور سيؤدي إلى غلاء عام في أسعار السلع، فنذكر هنا بأن الزيادة تطال فقط فئة محدودة وليست كل قطاعات الموظفين، ومع ذلك قامت دراسات في هذا الشأن احداها للباحثة 2008 Sara Lemos التي لخصت قرابة 30 دراسة مستقلة حول أثر رفع الحد الأدنى للأجور على مستوى الأسعار في أمريكا، وكانت النتيجة أن رفع الأجور بنسبة 10% يؤدي لزيادة في أسعار المواد الغذائية بنسبة لا تتجاوز 4%، أما مستوى الأسعار الكلي فلا يرتفع بأكثر من 0.4%. أي أنه مع وجود الزيادة في الأسعار، إلا أن المنفعة الكلية تفوق الضرر المترتب على الزيادة. 

كاريكاتير يعكس النظرة السائدة بأن رفع الأجور لا يفيد لأنه يرفع الأسعار


وطبعا قد يقول قائل بأن الشركات التي تجبرها الدولة برفع الحد الأدنى للأجور قد لا تفصل موظفيها صراحة، بل قد تقلل ساعات عملهم أو تقلل الصرف على الدورات التدريبية أو المزايا غير المادية، وهذا قد يصح في حالات إلا أن الدراسات الميدانية أظهرت أن لا دليل ملموس على انتشار مثل هذه السلوكيات بين الشركات. 

وختاما، يمكن أن يقول البعض بأن الدراسات التي ذكرت أعلاه قد يشوبها ما يشوب غيرها من علل، وربما أن ما ينطبق على أمريكا قد لا ينطبق على غيرها، وهذا قول معتبر، لكن ما وددت ايضاحه في هذا المقام هو خطأ التسليم بتنبؤات النماذج المبسطة جدا، وبناء القرارات عليها دون النظر في نماذج أخرى أحدث وأكثر محاكاة لواقع الناس وطبائع البشر وسلوك الشركات، ودون التحقق من البيانات الواقعية على الأرض. وهذا الحذر ينبغي الأخذ به عموما عند الحكم وابداء الرأي في معظم الظواهر الاقتصادية. 

مصادر:

Card, David and Alan Krueger. 1994. "Minimum Wages and Employment: A Case Study of the Fast-Food Industry in New Jersey and Pennsylvania." American Economic Review, vol. 48, no. 4, pp. 772-793. 

Doucouliagos, Hristos and T. D. Stanley. 2009. "Publication Selection Bias in Minimum-Wage Research? A Meta-Regression Analysis." British Journal of Industrial Relations, vol. 47, no. 2, pp. 406-428. 

Hirsch, Barry T., Bruce Kaufman, and Tetyana Zelenska, "Minimum Wage Channels of Adjustment." IZA Discussion Paper No. 6132. Germany: Institute for the Study of Labor. 

Lemos, Sara. 2008. "A Survey of the Effects of the Minimum Wage on Prices." Journal of Economic Surveys, vol. 22, no. 1, pp. 187-212. 

Wolfson, Paul and Dale Belman. Forthcoming. What Does the Minimum Wage Do? Kalamazoo, MI: Upjohn Institute for Employment Research. 


الاثنين، 10 مارس 2014

نصائح عامة للمقبلين على الدكتوراه في الاقتصاد

سألني بعض الإخوة عن قبول الدكتوراه في الاقتصاد أو التمويل من الجامعات الأمريكية، وما تتطلبه هذه البرامج عادة من خلفية في الرياضيات أو غيرها من العلوم، بالإضافة لأسئلة حول الاختبارات اللازمة ورسائل التزكية وما إلى ذلك. وقد سبق أن نشرت هذا الرد على موقع (مبتعث) وهأنا أنشره ثانية مع بعض الزيادة للفائدة. أذكر أني قبل بضع سنوات عندما كنت في طور التقديم لم أجد شيئا من هذه المعلومات باللغة العربية، وكنت أود لو أن أحدا أخبرني بما على توقعه في هذه البرامج، لذا أردت أن أختصر عليك الأمر.

بداية، هذه المعلومات تختص بالجامعات الخمسين الأوائل في أمريكا .. وليس لي دراية بغيرها من الجامعات متواضعة المستوى أو بجامعات خارج أمريكا. 

في معظم الجامعات الكبيرة يدرس الطالب في السنة الأولى المواد الأساسية، ثم يأخذ الامتحان التأهيلي (أو الشامل)، وعند اجتيازه يمضي السنة الثانية في مواد الحقل الدقيق، وبعدها يبدأ في طور البحث والكتابة.
هناك حقول أساسية في الاقتصاد، وهو تمثل عماد المواد للسنة الأولى في أغلب الجامعات وهي
اقتصاد كلي، اقتصاد جزئي، اقتصاد قياسي


ثم هناك مسارات دقيقة قد لا تجدها في كل الجامعات ولكنها شائعة وهي اقتصاد قوى عاملة، اقتصاد مالي، اقتصاد صحة، اقتصاد طاقة، اقتصاد تنظيمات صناعية، اقتصاد دولي، اقتصاد تنمية

أما عن أفضل الجامعات فستجد قائمة أفضل خمسين على هذا الرابط


طبعا لا يخفى عليك أخي الفاضل أن قوائم التصنيف كثيرة كل واحدة لها مقاييسها الخاصة.. وتصنيف أقسام الدراسات العليا في الاقتصاد يعتمد على غزارة الأبحاث المنشورة من الجامعات ومستوى المنافسة فيها.. وليس بالضرورة على مهارة الأساتذة في التدريس، فعليك احسان الاختيار حسب ميولك البحثي. 

الغالبية العظمى من أقسام الدراسات العليا في الاقتصاد في الجامعات المئة الأوائل لا يوجد فيها تخصص ماجستير مستقل, بل يلتحق الطالب مباشرة ببرنامج الدكتوراه بعد اتمام المرحلة الجامعية.. ولكن هناك بعض الاستثناءات مثل جامعة دوك  Dukeوجامعة فاندربلت Vanderbilt وأخريات حيث تعرض الجامعة بالإضافة لبرنامج الدكتوراه برنامجا متخصصا للماجيستير مدته سنتان والهدف منه اعداد الطالب لسوق العمل خارج النطاق الأكاديمي. 

ينبغي لدارس الاقتصاد تحسين مهارته في الرياضيات... الناس في السعودية والخليج تظن أن الاقتصاد تخصص نظري ولا يحتاج رياضيات.. ولكن بحكم تجربتي في دراسة الهندسة في الجامعة ثم ماجستير اقتصاد والآن الدكتوراه من أمريكا، أؤكد لك أن الرياضيات في تخصص الاقتصاد ستفاجئك بكثافتها وتعقيدها.

ثانيا، وبما أنك تسأل عن أقوى الجامعات، فلابد من التركيز على اختبار الجي أر إي GRE في مرحلة التقديم، إذ لا بد أن تطمح لعلامة تفوق 700 في القسم الكمي Quantitative من هذا الاختبار كحد أدنى، ويتحقق ذلك بالتدريب على الكتب المتخصصة والتي تباع في كل المكتبات. لكن لا تهتم كثيرا لدرجة اللغة Verbal Reasoning في الاختبار الجي آر إي إن كانت علامة التوفل جيدة.

عند التقديم في الجامعات الجيدة في أمريكا سيطلب منك كتابة رسالة قصيرة من صفحتين عن أهدافك Statement of Purpose توضح فيها اهتماماتك العامة في البحث. تذكر أن موضوعك الذي ستحدده هنا ليس ملزما ويمكنك تغييره فيما بعد، الهدف فقط معرفة المامك بالاتجاهات البحثية في حقلك. 

كما تطلب جامعات أخرى رسائل تزكية من مدرسين سابقين أو جهة عمل يوضحون فيها قدرتك على البحث، أو قدرتك على العمل المركز الطويل. 

عملية التقديم طويلة تستغرق حوالي 3 أشهر من التحضير لاختبار الجي آر إي وتعبئة النماذج والحصول على رسائل تزكية وكتابة رسالة الأهداف.. فخطط جيدا حتى لا تفوتك تواريخ التقديم في الجامعات.

غالبا لا بد من أخد الGRE مع نوفمبر أو بداية ديسمبر. وتنتهي فترات التقديم في الجامعات مع منتصف يناير وقد تطول إلى نهاية فبراير.. فتأكد من موقع جامعتك على الإنترنت.

معظم الجامعات تتيح التقديم عن طريق الموقع مباشرة مع تعليمات حول تحميل خطابات التزكية وما إلى ذلك. 

الاقتصاد في مرحلة الدكتوراه ليس تخصصا لكل أحد، بل لا بد له من اعداد وتهيئة، وهو في النهاية تخصص بحثي وقد لا يلبي طموحات الكل. فالكثير يظن أنه يريد دكتوراه في الاقتصاد بينما قد يكون الأفضل لطموحه العملي هو ماجستير إدارة أعمال MBA. كما أن راتب خريج الدكتوراه يكون أحيانا أقل من ماجستير مالية أو إدارة أعمال مع خبرة عملية، فوجب التنبيه على ذلك.

والآن لعلي أفتح عينيك على ما لا يذكرونه لك على مواقع الجامعات الرسمي. مرحلة الدكتوراه (خصوصا السنة الأولى) فيها الكثير من العناء. ساعات طويلة لحل المسائل وشك مستمر في المغزى من كل هذه النظريات التي قد تبدو لك أنها لا تمت للواقع بصلة. لا توجد أسئلة سهلة، لا توجد اختبارات سهلة، الأساتذة لا يكترثون كثيرا لشرح المواضيع بإسهاب كما اعتدت عليها في المرحلة الجامعية. الكل يفترض أن الطلاب تكفيهم بعض النقاط والوجيزة حول كل فصل، بعدها يمضي الأستاذ للفصل التالي. خلال بضعة أسابيع في القسم، ستكتشف أن الأساتذة قد مروا على مئات الصفحات في كل كتاب وأنت لم تستوعب بعد ما ذكر في أول أسبوع. عادي جدا، هذا يحصل مع كثير من الطلبة، المهم أن تظل متماسكا وفي صحبة زملائك لتستوضح منهم ما يشكل عليك فهمه. من السهل جدا الشعور باليأس في البداية لكن الأمور ستتحسن بمرور الوقت. إن كتب الله لك والتحقت ببرنامج دكتوراه مميز ستذكر كلامي هذا. 

لتكون فكرة أوضح عما ينتظرك في مرحلة الدكتوراه أنصحك بزيارة موقع
واطلع على عناوين الكتب المقترحة
هذه كتب لطلاب سنة أولى في التخصصات الرئيسية التي ذكرت لك.. انصحت بشراء شيء منها أو أخذها من مكتبة عامة لمعاينة ما أقول لك حقيقة

وختاما أقول لك.. الرياضيات ثم الرياضيات...

وهذه بعض المواد التى ينبغي لك الإلمام بها أو مراجعتها قبل الالتحاق بالدكتوراه.. ولا يكفي أن تكون قد أخذتها في مرحلة سابقة إن لم تكن تذكرها الآن، بل عليك بالمراجعة

Multivariable Calculus
Linear Algebra
Real Analysis
Probability and Statistics


هذا يمثل الحد أدني من الرياضيات المطلوبة

ويفضل أن تكون قد أخذت المواد التالية في الاقتصاد ووصلت إلى مستوى ثاني
Intermediate Microeconomics
Intermediate Macroeconomics
Econometrics



يعني أن تكون قد أخذت هذه المواد على مستوى الجامعة أو الماجستير. 

في مرحلة الدكتوراه سيتوقع الأستاذ أن هذه المواد صارت من البديهيات ولن يقف عندها البتة، بل سيمضي بسرعة البرق لمناقشة المواضيع الدقيقة، ويترك الباقي لك من خلال أسئلة الواجبات أو البحث.


أما إن لم يكن عندك هذا التأهيل فسيكون من الصعب عليك الدخول إلى أو النجاح في جامعة من الخمسين الأوائل. وإن كنت تحب الاقتصاد ولكنك لم تحصل على هذا التأهيل، فهناك برامج أصغر في أمريكا أو بريطانيا وقد تكون غير معروفة لكنها تفي بالغرض.

أسود مثلي



كتاب (أسود مثلي) يحكي قصة واقعية لمؤلفه جون غريفن، تدور أحداثه في نهاية خمسينات القرن الماضي زمن استفحال الممارسات العنصرية ضد السود وأصحاب البشرة الداكنة في ولايات الوسط والجنوب الأمريكي. (غريفن) رجل أبيض من تكساس حظي بتعليم راق، قرر القيام بتجربة فريدة ليتعرف بنفسه على المعاناة اليومية للرجل الأسود في بيئة تطفح عنصرية وكراهية، فاختار طواعية بأن يتحول بنفسه إلى شخص أسود!

وبعد سؤال أطباء الجلد بدأ رحلة العذاب الجسدي بإخضاع نفسه لجلسات أشعة فوق البنفسجية لمدة خمس عشرة ساعة يوميا، وتناول كميات كبيرة من مادة ميتوكسالين لتغميق البشرة! ثم أجهز على ما تبقى من بقع بيضاء في جسمه حول الشفتين والعينين باستعمال الطلاء.

لم يلتفت (غريفن) لنصح المشفقين من معارفه، وقرر أن يتوجه الى ولاية ميسيسيبي معقل العنصرية آنذاك. العجيب أن (غريفن) لم يغير شيئا قط من نفسه سوى لون البشرة. فقد قرر أن يعرف بنفسه بإسمه الأصلي، ويتحدث بلهجته الأصلية التي توحي بثقافة وتعليم صاحبها، بل ويتحدث عن ما ألفه من كتب وانجازات دون مداراة أو خجل. 

المفاجأة هي أن هؤلاء العنصريون لم يعبؤوا بشي من هذه التفاصيل، فقد كان لونه الداكن في أعينهم كفيلا بأن يطغى على ما سواه من لهجة أو ثقافة. لم يكترث أحد بالسؤال عن اسمه أصلا.. كان ينادى ب(الفتى) أو (الولد) Boy وهي صيغة للازدراء ولتذكير الملونين بأنهم في الأصل عبيد في بلاد الرجل الأبيض. كما لم يعبأ أحد بأنفه الدقيق وشفتاه النحيفتان.في نظرهم كان عبدا أسودا وانتهى. يقول (غريفن) بأنه كان يظن بأن ملامحه البيضاء ولهجته ستكون غريبة وقد تفضح شأنه، لكنه عندما بدأ بمخالطة الملونين اكتشف كم كان مخطئا، فهؤلاء (السود) هم في الواقع خليط جميل من اللهجات وألوان العيون ورسمة الأنف بل ولون والشعر وتجعيده. كان (غريفن) كغيره ينظر نظرة تعميم مثله مثل العنصري الذي يقول (كل السود سواء) ولا يكلف نفسه جهد النظر لهؤلاء البشر على أنهم مزيج غني من أعراق وثقافات قد تفوق في تنوعها الرجل الأبيض. 

ثم يحكي (غريفن) بأنه حاول النزول في غرفة جيدة للسكن، فلم يسمح له سوى بغرفة قديمة تملأها الحشرات في حي سيء. عندها انتبه للحقيقة بأن ذاته لم تتغير، ولا ثقافته ولاتعليمه، ولازال يحمل نفس النقود التي كانت مع (غريفن) الأبيض، إلا أن كل أموال الدنيا لم تكن لتمكنه من النزول في غرفة أفضل من تلك مع لونه الجديد. وعندما هم بالبحث عن وظيفة، كان يراسل الشركات باسمه الأصلي ومؤهلاته الأصلية، فيطلب منه الحضور للمقابلة الشخصية، وحالما ما تقع عليه الأعين تختفي الوظيفة بقدرة قادر ويصرف بشتى الوسائل. حتى عندما عرض بأن يعمل كناسخ آلة بأجر أقل من المعتاد قيل له صراحة بأن هذه الوظائف ليست (لجنسكم)، وأن (أمثالكم) غير مرحب بهم. 

النظرة الدونية من هؤلاء البيض كان يملؤها الجهل المجتمعي الذي يبرر العنصرية عن طريق تقليل القيمة الإنسانية للملونين. فالبيض في نظر أنفسهم ليسو عنصريين مع البشر (الأسوياء)، إنما عنصريتهم فقط مع من هم أقرب للبهائم منهم لجنس البشر. وهذا واقع عند كل من يبرر سلوكه المشين بتصوير الآخر كشيطان أو مسخ منقوص الإنسانية. فمثلا، كان يضطر أحيانا أن يركب مع سائقي الشاحنات على الطرق بين القرى، فكان السائق الأبيض يطلب من (غريفن) بأن يحدثه عن الحياة الجنسية عند السود أو يطلب منه أن يمنحه زوجته لعدة ليالي أجرة للطريق، معتقدا أن السود همج بربريون لا أخلاق لهم، بل قد لا تخلو حياتهم الجنسية من شيء من الإثارة! وعندما يمتنع (غريفن) عن الحديث ينقلب الموقف إلى تهديد بالقتل والإلقاء خارج السيارة للكلاب. 

يقول (غريفن) حول هذه النظرة العنصرية الجاهلة بأنه كان ينتابه خوف حقيقي تجاه هؤلاء الناس، ليس خوفا على حياته، إنما خوف من مشهد هؤلاء الناس وهم يقتلون إنسانيتهم بأنفسهم، وأن بازدرائهم للسود إنما يزدرون أنفسهم ويمسخون ضمائرهم ببطء، وأنه لا فرق في دوامة العذاب والمعاناة هذه بين المضطهِد والمضطهَد. 

بعد رحلة ستة أسابيع قضاها غريفين متجولا كرجل أسود بين ولايات ميسيسيبي وألاباما ونيوأورلينز قرر العودة لمنزله ونشر مذكراته التى دونها خلال تلك المدة. أحدث كتابه ردة فعل عنيفة سواء عند المنادين بإنهاء الفصل العنصري أو أولائك العنصريين الذين أغضبهم خداع (غريفن) لهم وإظهارهم على حقيقتهم أمام الملأ. حتى أن المتشددين هاجموا منزل والدي (غريفن) واضطر هو ووالديه الإنتقال للمكسيك لسنوات خوفا على سلامته. 

كتاب (أسود مثلي) Black Like Me يدرس الآن في معظم المدارس الأمريكية.